في خطوة هزت الأوساط الأكاديمية في عشية عيد الميلاد، أعلنت شركة إلسفير، أكبر ناشر أكاديمي في العالم، عن سحب 12 ورقة بحثية في مجال التمويل والاقتصاد، والتي كانت قد خضعت سابقًا لعملية مراجعة الأقران.
سحب الأوراق البحثية: نظرة فاحصة
شملت عملية السحب 7 أوراق من “المجلة الدولية للتحليل المالي” (بمعدل قبول 18%)، وورقتين من “رسائل الأبحاث المالية” (بمعدل قبول 29%)، وثلاث أوراق من “المجلة الدولية للاقتصاد والتمويل” (بمعدل قبول 30%). وقد حظيت هذه الأوراق مجتمعة بـ 5104 استشهادات.
القاسم المشترك: بريان لوسي
كان القاسم المشترك بين جميع الأوراق المسحوبة هو البروفيسور بريان إم. لوسي، أستاذ التمويل الدولي والسلع في كلية ترينيتي في دبلن، والذي شارك في تأليفها. نشر لوسي عددًا هائلاً من الأوراق البحثية في فترة زمنية قصيرة، حيث نشر 44 ورقة في مجلة “Finance Research Letters” وحدها، التي شغل فيها منصب المحرر.
كشفت التحقيقات أن لوسي كان يعمل كمحرر أثناء مراجعته والموافقة على أوراقه البحثية الخاصة، مما يعد انتهاكًا صارخًا لسياسات المجلات ومراجعة الأقران. وقد أدت هذه الممارسات إلى تحقيقات أوسع في شبكة من التلاعب بالاستشهادات.
كارتل الاستشهادات: تفكيك الشبكة
تشير الأدلة إلى وجود “كارتل استشهادات”، وهي شبكة من الباحثين يتعاونون بشكل منهجي لزيادة عدد استشهادات أوراقهم البحثية بشكل مصطنع. ومن خلال توجيه الأوراق البحثية إلى مجلات معينة، يقومون بضخها باستشهادات لبعضهم البعض، مما يؤدي إلى تضخيم عوامل تأثير المجلات ومؤشرات الإنتاجية للباحثين المشاركين.
تمت إزالة لوسي من مناصبه التحريرية في عدة مجلات مالية، ولكن استمر في منصبه في مجلة أخرى، مما أثار تساؤلات حول مدى جدية التحقيقات. في المقابل، أكدت دار النشر وايلي أنه لم يتم العثور على مخالفات في المجلة التي يترأسها لوسي حاليًا.
تداعيات على النشر الأكاديمي
تُبرز هذه القضية نقاط ضعف بنيوية في نظام النشر الأكاديمي، حيث يمكن للحوافز المالية والنظام الهرمي لتقييم الإنتاج الأكاديمي أن تؤدي إلى ممارسات غير أخلاقية. وقد أدت شبكة “النظام البيئي المالي” لشركة إلسفير، التي تسمح بنقل المخطوطات بين المجلات، إلى تفاقم المشكلة، مما قد يسهل تكديس الاستشهادات.
يُشار إلى أن هناك جهات خارجية تقدم خدمات “استشارية” مقابل رسوم، لمساعدة الباحثين على نشر أوراقهم في مجلات مرموقة، مما يثير تساؤلات حول تضارب المصالح المحتمل والفساد المالي في هذه العمليات.
خاتمة: نحو شفافية أكبر
إن إغلاق مجلات إلسفير وسحب الأوراق البحثية يمثل خطوة نحو تصحيح المسار، ولكنه يكشف عن الحاجة الملحة إلى إصلاحات هيكلية تضمن نزاهة البحث الأكاديمي وتعزز الشفافية في عمليات النشر وتقييم الأداء البحثي. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الأكاديمية ستتخذ إجراءات صارمة ضد المتورطين، وما إذا كانت شركات النشر ستعيد النظر في نماذج أعمالها لضمان استدامة وموثوقية النظام العلمي.