في خطوة غير مسبوقة، رفعت الحكومة الفيدرالية البرازيلية دعوى قضائية ضد منصة ديسكورد (Discord) مطالبة بتعويض قدره 500 مليون ريال برازيلي، أي ما يعادل حوالي 97 مليون دولار أمريكي. تأتي هذه الدعوى، التي قُدمت بسبب ما تصفه الحكومة بفجوات خطيرة في آليات التحقق من العمر وحماية سلامة المستخدمين على المنصة، لتؤكد التزام البرازيل الراسخ بتعزيز بيئة رقمية آمنة للأطفال والمراهقين.
لم تكن هذه الدعوى مفاجئة تمامًا، حيث تلت ثلاثة أيام فقط من استئناف ديسكورد ضد أمر صادر عن هيئة حماية البيانات بتعليق ميزة البث المباشر الخاصة بها، بحجة أن المحكمة وحدها هي من يملك صلاحية تعليق الخدمة. تأتي هذه التطورات في خضم موجة أوسع من الدعاوى القضائية التي تستهدف منصات التقنية لمنتجاتها المعيبة بدلاً من اعتبارها مجرد ناشرين للمحتوى.
تفاصيل الدعوى والمطالبات الرئيسية
قُدمت الدعوى يوم الثلاثاء الماضي من قبل جهاز المرافعة العام للاتحاد (Advocacia-Geral da União)، الذراع القانونية للحكومة الفيدرالية، أمام المحكمة الفيدرالية في برازيليا. وجاء قرار رفعها بعد اجتماع رفيع المستوى ضم المحامي العام خورخي ميسياس والرئيس لولا ومسؤولين آخرين، مما يؤكد أهمية القضية على الأجندة الوطنية.
يُذكر أن المبلغ المطلوب لا يمثل تعويضًا بالمعنى التقليدي، بل هو مطالبة بتعويضات أخلاقية جماعية، وسيُوجه إلى صندوق الدفاع عن الحقوق المنتشرة في البرازيل بدلاً من أي فرد. بالإضافة إلى ذلك، طالبت الحكومة بفرض غرامة إضافية قدرها 500 ألف ريال برازيلي يوميًا في حال عدم الامتثال، مع مهلة خمسة عشر يومًا للامتثال في حال صدور الأمر الزجري.
المطالب التقنية لضمان السلامة
لا تسعى الحكومة البرازيلية إلى الحصول على شيك بقدر سعيها لتطبيق قائمة من الإجراءات العلاجية الهيكلية والتقنية. ومن أبرز المطالب التقنية:
- إنشاء حظر في الوقت الفعلي لمحتوى إيذاء النفس والعنف الشديد في البث المباشر.
- تطوير بروتوكول مخصص وفعال لإبلاغ السلطات المختصة عن حالات الابتزاز الجنسي.
- تطبيق آليات تحقق من العمر لا تعتمد فقط على قيام المستخدم بإدخال تاريخ ميلاده.
المطالب الهيكلية والتواجد المحلي
إلى جانب التغييرات التقنية، تتضمن الدعوى عددًا من المطالب الهيكلية والإدارية التي تهدف إلى تعزيز الرقابة والمساءلة. يسعى جهاز المرافعة العام للاتحاد (AGU) إلى ما يلي:
- ربط الحسابات التي تقل أعمار أصحابها عن 16 عامًا رسميًا بالوصي القانوني.
- فرض قيود على دعوات الانضمام إلى الخوادم من الحسابات الجديدة.
- تطبيق إجراءات فعالة لمنع إعادة إنشاء الخوادم المحظورة.
- توفير قناة إبلاغ دائمة باللغة البرتغالية لدعم المستخدمين المحليين.
- تعيين موظفين إشرافيين يتناسب عددهم مع حجم قاعدة المستخدمين البرازيلية.
- إنشاء مكتب مسجل وممثل قانوني لشركة ديسكورد في البرازيل لضمان الالتزام المحلي.
القانون الرقمي للطفل والمراهق والحادث المأساوي
تستند القضية بشكل أساسي إلى القانون الرقمي للطفل والمراهق، وهو تشريع برازيلي دخل حيز التنفيذ في مارس الماضي. يحظر هذا القانون تحديد العمر المعلن ذاتيًا كوسيلة للتحقق تمامًا، ويتطلب إعدادات أكثر حماية بشكل افتراضي، وينطبق على أي منصة يحتمل أن يصل إليها القصر بغض النظر عن موقع الشركة الأم.
كان الحادث المأساوي الذي دفع بالتشريعات والتنظيم البرازيلي قدمًا طوال الشهر هو وفاة فتاة تبلغ من العمر 13 عامًا في يوليو الماضي بولاية ماتو غروسو دو سول. توفيت الفتاة أثناء بث مباشر على ديسكورد بعد تعرضها للإكراه من قبل أعضاء إحدى المجموعات. في نفس الحادثة، تعرض شاب يبلغ من العمر 17 عامًا للضغط لإيذاء نفسه، ووجد المحققون دلائل على استهداف طفل يبلغ من العمر سبع سنوات من قبل نفس الأشخاص.
ما يؤكده التحقيق هو أن أياً من هذه الأحداث لم يكن مخفياً. فقد تم الإعلان عن الحدث مسبقًا وتم تنفيذه عبر الميزات الأساسية للمنصة، وتقول الحكومة إن ديسكورد لم يكتشفه، ولم يقم بمقاطعته، ولم يبلغ السلطات البرازيلية عنه. وقد خلص تحقيق سابق أجرته الهيئة التنظيمية إلى أن ديسكورد، عشية دخول القانون الجديد حيز التنفيذ في أوائل مارس، أجرى تغييرات فنية على ميزة البث المباشر الخاصة به مما جعلها أقل حماية للقصر مما كانت عليه من قبل.
رد ديسكورد والموقف السياسي
في ردها، وصفت ديسكورد الدعوى القضائية بأنها غير متناسبة، وقالت إنها لا تعكس بدقة نهج الشركة فيما يتعلق بالسلامة والامتثال للقانون البرازيلي. وأشارت الشركة إلى أنها كانت تتفاوض بحسن نية وعرضت حزمة مفصلة من التغييرات التقنية بالإضافة إلى الاستثمار المالي في مجال السلامة عبر الإنترنت في البرازيل.
لكن المحامي العام ميسياس يروي الأمر بطريقة مختلفة، مؤكدًا أن ديسكورد رفض التوقيع على التزام رسمي لجعل عملياتها متوافقة مع القوانين المحلية. ورغم أن أياً من الطرفين لم ينشر الاقتراح المرفوض، فإن الاتحاد الأفريقي (AGU) يؤكد أنه لا يزال منفتحًا على التسوية.
من الجدير بالذكر أن توقيت هذه الدعوى يحمل دلالات سياسية واضحة، حيث يسعى الرئيس لولا إلى إعادة انتخابه في أكتوبر. وقد دعت السيدة الأولى علنًا إلى وقف استخدام المنصة هذا الشهر. وفي اليوم السابق لرفع هذه الدعوى، تم تغريم تيك توك (TikTok) أيضًا بسبب بيانات الأطفال، مما يشير إلى توجه حكومي أوسع نحو تشديد الرقابة على منصات التواصل الاجتماعي.
مستقبل ديسكورد في البرازيل
يسير المساران الإداري والقضائي الآن بالتوازي، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا لشركة ديسكورد. ينص جهاز المرافعة العام للاتحاد صراحة على أن قضيته لا تحل محل إجراءات هيئة حماية البيانات (ANPD)، وبالتالي فإن تعليق البث المباشر يظل قائمًا بينما ينظر القاضي الفيدرالي في قائمة أطول من المطالب. وفي الوقت الذي لا تزال فيه أوروبا تعمل على إيجاد حل لمسألة التحقق من العمر، يتم التعامل مع هذه القضية في البرازيل بأمر مباشر من المحكمة، مما يضع سابقة مهمة لمستقبل المنصات الرقمية وسلامة المستخدمين حول العالم.