بدأت السلطات الصينية حملة غير مسبوقة ضد ممارسات الاحتكار في قطاع التكنولوجيا. في خطوة مدوية، فرضت الصين غرامة مالية ضخمة بلغت 765 مليون دولار أمريكي على مجموعة Trip.com، عملاق السفر عبر الإنترنت، بعد أن أثبتت التحقيقات إساءتها استخدام مركزها المهيمن في السوق لإجبار الفنادق على عقد صفقات حصرية والتحكم في أسعار خدماتها. هذا القرار يعكس التزام بكين المتزايد بتنظيم منصات التكنولوجيا الكبرى وضمان المنافسة العادلة.
تفاصيل الغرامة والانتهاكات الاحتكارية
كشفت إدارة الدولة لتنظيم السوق (SAMR) عن تفاصيل قرارها، مشيرة إلى أن Trip.com، التي تستحوذ على حوالي 56 بالمئة من سوق السفر عبر الإنترنت في الصين، استغلت نفوذها لفرض شروط غير عادلة. ووجدت الهيئة التنظيمية أن الشركة استخدمت تكتيكات متعددة لتقييد المنافسة، بما في ذلك:
- فرض الصفقات الحصرية: إجبار الفنادق الشريكة على توقيع اتفاقيات حصرية تمنعهم من عرض خدماتهم على منصات منافسة.
- التحكم في الأسعار: مطالبة الفنادق بتقديم أقل الأسعار عبر الإنترنت حصريًا على منصة Trip.com، مما يحد من قدرتهم على تحديد أسعار تنافسية في أماكن أخرى.
- استغلال الخوارزميات والتكنولوجيا: توظيف خوارزميات تخصيص حركة المرور وقواعد النظام الأساسي لتوجيه المستخدمين وتقييد ظهور الفنادق التي لا تلتزم بشروطها.
بلغ إجمالي العقوبة حوالي خمسة مليارات يوان صيني، وشملت مصادرة الأرباح غير المشروعة، وغرامة مالية منفصلة، بالإضافة إلى أمر بإعادة ودائع التأمين التي دفعتها الفنادق. وقد بدأت SAMR تحقيقها في يناير بعد تلقي شكاوى متزايدة حول ممارسات Trip.com الاحتكارية، لتثبت تورط الشركة في هذه الانتهاكات منذ عام 2020. وفي ردها، أكدت Trip.com عبر بيان رسمي على حسابها في WeChat أنها تقبل القرار وستتخذ الإجراءات التصحيحية اللازمة.
سابقة تاريخية لمكافحة الاحتكار في قطاع التكنولوجيا
تعد هذه الغرامة هي الأكبر التي تفرضها SAMR على شركة تكنولوجيا صينية واحدة في إطار مكافحة الاحتكار، منذ الغرامة البالغة 18 مليار يوان التي فُرضت على مجموعة علي بابا عام 2021 لذات الأسباب. لقد أرست قضية علي بابا، التي أجبرت الشركة حينها على التخلي عن ترتيبات التعامل الحصرية مع التجار، نموذجًا لما أصبحت عليه حملة بكين الأوسع ضد احتكارات المنصات الرقمية. وتشير عقوبة Trip.com إلى أن عزم الجهة التنظيمية على تطبيق القانون لم يتضاءل، حتى مع تحويل بكين تركيزها نحو الرقابة المدروسة بدلاً من حملات القمع الشاملة.
تداعيات القرار على السوق وقوانين التجارة الإلكترونية
يعكس هذا القرار أيضًا قلق المنظمين من أن المنافسة الشرسة وغير المنظمة بين منصات السفر عبر الإنترنت تضغط على هوامش أرباح مشغلي الفنادق، مما يساهم في الضغط الانكماشي الذي يشهده أجزاء من الاقتصاد الصيني. وتعمل بكين حاليًا على إعادة صياغة قانون التجارة الإلكترونية لإخضاع شركات المنصات لرقابة محلية أكثر صرامة. وفي وقت سابق من هذا الشهر، نُشرت مسودة تعديلات تقترح أدوات تنظيمية موسعة للإشراف على الخوارزميات، وقواعد المرور، وممارسات التسعير. يقع قرار غرامة Trip.com بشكل مباشر ضمن هذا الإطار التشريعي الجديد.
رحلة Trip.com من الهيمنة إلى مواجهة العقوبات
تأسست Trip.com عام 1999، ونمت لتصبح أكبر منصة للحجز عبر الإنترنت في العالم من حيث حجم المعاملات، وتشمل علاماتها التجارية المعروفة مثل Ctrip وSkyscanner. وقد منحتها هيمنتها في السوق الصينية نفوذًا كبيرًا لإملاء الشروط على شركائها من الفنادق. ومع ذلك، فإن هذه القوة السوقية الهائلة جعلتها هدفًا للجهات التنظيمية التي تسعى للحد مما تعتبره سلوكًا احتكاريًا في جميع أنحاء قطاع التكنولوجيا. وقد صدرت أوامر للشركة بتنفيذ خطة تصحيح شاملة، على الرغم من أن تفاصيل هذه التغييرات لم تُكشف بعد.
يمثل قرار تغريم Trip.com نقطة تحول مهمة في جهود الصين الرامية إلى كبح جماح عمالقة التكنولوجيا وضمان بيئة سوقية عادلة. إنه يرسل رسالة واضحة مفادها أن الاستفادة من الهيمنة السوقية لفرض شروط غير عادلة أو خنق المنافسة لن يُتسامح معه بعد الآن، ويؤكد التزام بكين بتعزيز الرقابة لضمان نمو مستدام وعادل في اقتصادها الرقمي.