يُعد الإنترنت شريان الحياة للعالم الحديث، حيث يربط القارات ويوصل المعلومات بسرعة البرق. لكن هل تساءلت يومًا كيف تنتقل بياناتك الدولية – بريدك الإلكتروني، مكالمات الفيديو، أو حتى الميمات – عبر المحيطات الشاسعة دون أن تلاحظ ذلك؟ الإجابة تكمن في شبكة معقدة وغير مرئية من الكابلات البحرية التي تحمل ما يقرب من 99% من البيانات الدولية.
قاع المحيط ليس فقط موطنًا لبعض أغرب الكائنات على وجه الأرض، بل هو أيضًا المسار الحيوي الذي يربطك بألاسكا أو هاواي أو أي ركن آخر من الكوكب. فمعظم حركة الإنترنت الدولية تعبر عبر هذه الكابلات المغمورة في أعماق المحيط. وفي وقت سابق من هذا العام، تم سحب كابل ‘TAT-8’ (الهاتف عبر الأطلسي 8)، وهو أول كابل ألياف ضوئية عبر الأطلسي، بعد 38 عامًا من الخدمة. لقد ظل خاملًا في قاع المحيط الأطلسي لما يقرب من ربع قرن. دعونا نتعمق في فهم كيفية عمل هذه الكابلات وسبب أهمية استعادتها.
تستخدم 99% من حركة الإنترنت الدولية هذه الكابلات البحرية. يوجد أكثر من 500 كابل منها في الخدمة حول العالم، وإذا ما وُضعت جنبًا إلى جنب، فإن طولها سيتجاوز مليون ميل، لتلتف حول الكرة الأرضية عدة مرات.
يبلغ سمك كل كابل تقريبًا سمك خرطوم الحديقة، ويحتوي في داخله على خيوط من الألياف الزجاجية لا يتعدى سمكها شعرة الإنسان. ترسل أجهزة الليزر نبضات ضوئية مشفرة عبر هذه الألياف بمليارات المرات في الثانية، بينما تعمل معززات الإشارة على طول الكابل على تضخيم هذه الأشعة أثناء انتقالها. يمكن لعشرات الألوان المختلفة من الليزر أن تنتقل عبر نفس الألياف في وقت واحد، يحمل كل منها تيارًا خاصًا به من البيانات. فقد يحمل أحدها بريدًا إلكترونيًا ينتقل من بوسطن إلى ملبورن، بينما يرسل آخر مكالمة فيديو من نيويورك إلى طوكيو. يمكن لكل كابل نقل مئات التيرابايت من البيانات في الثانية الواحدة.
رحلة مدتها أشهر لوضع الإنترنت في الخدمة
إن مد هذه الكابلات في أعماق المحيط يعد مهمة شاقة وطويلة الأمد. يبدأ العمل بمسح المهندسين لرسومات بيانية دقيقة لتجنب العوائق تحت الماء. بعد تصنيع الكابلات، ينقلها العمال إلى سفن خاصة، حيث تُلف بعناية في خزانات ضخمة، وهي عملية قد تستغرق وحدها حوالي شهر كامل.
بمجرد أن تبحر السفينة، تتحرك ببطء مذهل لا يتجاوز 6 أميال في الساعة (ما يعادل تقريبًا سرعة الركض الخفيف). قد يبقى أفراد الطاقم في البحر لأشهر، يقومون بسحب الكابلات ببطء من هذه الخزانات الضخمة وتوجيهها عبر فتحات في مؤخرة السفينة. في حال واجهوا طقسًا قاسيًا، قد يضطر العمال لقطع الخط وربط نهايته بعوامة والبحث عن مكان أكثر أمانًا لانتظار تحسن الظروف. بعد ذلك، يستعيدون الكابل ويربطونه ويستأنفون رحلة المد البطيئة عبر البحر.
أخيرًا، عندما يصل الكابل إلى الجانب الآخر من القارة، يتصل بمركز بيانات حيث يقوم بتوزيع رسالة البريد الإلكتروني أو الميم الخاص بك إلى جهاز الاستقبال. عندها فقط من المرجح أن تنتقل البيانات لاسلكيًا، سواء عبر أبراج الهواتف المحمولة أو شبكات الواي فاي المحلية. ورغم نمو خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية مثل ‘ستارلينك’ وخدمات مشابهة، فإنها لا تزال تشكل نسبة ضئيلة من إجمالي حركة الإنترنت.
استبدال وإعادة تدوير الكابلات
تتمتع الكابلات بقدرة عالية على التحمل، لكن الأمم المتحدة تشير إلى وقوع ما بين 150 إلى 200 ‘حادث كابل’ سنويًا. تحتوي معظم المناطق على خطوط احتياطية لضمان استمرارية الخدمة في حال تعطل أحد الكابلات. لكن بعض المناطق النائية قد تفقد الوصول إلى الإنترنت لأسابيع في حالة فشل كابل واحد. في عام 2022، فقدت دولة تونغا الجزيرة الواقعة في جنوب المحيط الهادئ الإنترنت والاتصالات الهاتفية لأكثر من شهر بعد أن أدى ثوران بركاني إلى إتلاف الكابل الوحيد الذي يربطها ببقية العالم.
على الرغم من أن الكوارث الطبيعية يمكن أن تسبب مثل هذه الانقطاعات، إلا أن حوالي 80% منها ينبع من النشاط البشري، وعادة ما تكون بسبب مراسي السفن أو سفن الصيد. وفي السنوات الأخيرة، شهدنا أيضًا بعض حوادث التخريب المتعمدة.
عندما تنقطع الكابلات، ليس العمل البدني لإصلاحها هو الجزء الأصعب دائمًا. فقد صرح توماس لامانوسكاس، نائب الأمين العام للاتحاد الدولي للاتصالات، لأخبار الأمم المتحدة: ‘غالبًا ما يكون تأمين جميع التصاريح والتراخيص اللازمة أكثر تعقيدًا، خاصة عندما تكون هناك ولايات قضائية متعددة أو متداخلة’.
وفي أحيان أخرى، تصبح الكابلات قديمة الطراز، حيث يبلغ متوسط عمر الكابل حوالي 25 عامًا. وكما ذكرنا سابقًا، على الرغم من سحب كابل ‘TAT-8’ هذا العام فقط، إلا أنه كان خارج الخدمة منذ عام 2002، عندما أصبح إصلاحه مكلفًا للغاية. لذلك، ظل غير مستخدم في قاع المحيط الأطلسي لما يقرب من ربع قرن. ورغم أن إعادة تدويره لها مزايا بيئية، إلا أن هناك دوافع أكثر إلحاحًا لاستعادته: إفساح المجال للكابلات الجديدة واستعادة النحاس الثمين الموجود فيه.
بينما تستمتع بتصفح الإنترنت ومشاهدة مقاطع الفيديو، تذكر دائمًا الشبكة الهائلة وغير المرئية من الكابلات البحرية التي تعمل بلا كلل في أعماق المحيط. إنها شهادة على الهندسة البشرية المستمرة والجهود الحثيثة للحفاظ على عالمنا متصلاً، لتضمن تدفق المعلومات بسلاسة عبر القارات، حتى دون أن تلاحظ ذلك.