في اكتشاف مثير يعيد تشكيل فهمنا لتاريخ الفكر البشري، تمكن الباحث مادن من تحديد ما لا يقل عن 565 قطعة نرد أمريكية أصلية بشكل قاطع من 45 موقعًا مختلفًا، مع تصنيف 94 قطعة أثرية إضافية كـ نرد محتمل. تعود أقدم هذه القطع، التي عُثر عليها في رواسب فولسوم بولايات وايومنغ وكولورادو ونيو مكسيكو، إلى نهاية العصر الجليدي الأخير، أي منذ حوالي 12000 عام، مما يلقي ضوءًا جديدًا على قدرات الأمريكيين الأصليين الأوائل.
وقد حرص مادن في دراسته على استبعاد القطع التي تحتوي على ثقوب محفورة أو مثقوبة، خشية أن تكون خرزًا أو أغراضًا زخرفية أخرى. كما استبعد القطع التي لا يمكن تمييز جوانبها إلا بالشكل دون علامات واضحة، لضمان دقة التقييم والتأكد من أنها نرد حقيقي.
النرد القديم: وظيفة اجتماعية أعمق من المقامرة
خلافًا للمفاهيم الحديثة للمقامرة، يشير مادن إلى أن النرد والألعاب المرتبطة به في هذه المجتمعات القديمة لم تكن مصممة ليكون للمنزل دائمًا الأفضلية. بل يُعتقد أنها أدت وظيفة اجتماعية أعمق بكثير.
يوضح مادن: هذه الألعاب فردية؛ لا يوجد طرف رابح دائمًا. إنها ألعاب عادلة، حيث يتمتع الجميع بفرص وظروف متساوية. ولقد استُخدمت هذه الألعاب كشكل من أشكال التبادل الاجتماعي، خاصة بين المجموعات التي لم تكن تتفاعل بانتظام. إنها، في جوهرها، طريقة لإقامة علاقات متبادلة دائمة عبر الزمن، وليست مجرد معاملات تجارية عابرة.
إعادة كتابة تاريخ الفكر الاحتمالي
الأهم من ذلك، تسلط هذه النتائج الضوء على مفاهيم الاحتمال المبكرة لدى الأمريكيين الأصليين. يقول مادن: عندما نرى أصول النرد، فإننا نرى حرفيًا أصول التفكير الاحتمالي. لطالما ساد الاعتقاد بأن هذا المفهوم نشأ في العالم القديم خلال العصر البرونزي، أي منذ حوالي 6000 عام مضت. لكن هذا البحث يوضح أن الأمريكيين الأصليين كانوا يصنعون النرد، ويولدون نتائج عشوائية، ويستخدمون هذه التدفقات العشوائية للاحتمالات في ألعاب الحظ قبل 6000 عام من التاريخ المتعارف عليه. وهذا يعني أننا بحاجة الآن إلى إعادة تقييم تاريخ الفكر الاحتمالي العالمي والنظر إلى العالم الجديد في نهاية العصر الجليدي الأخير.
الاحتمالية في الممارسة لا النظرية
ويؤكد مادن أن هذه النتائج لا تدعي أن صيادي وجامعي الثمار في العصر الجليدي كانوا يطورون نظرية احتمالية رسمية بالمعنى الأكاديمي. بدلاً من ذلك، كانوا يتعمدون خلق ومراقبة والاعتماد على نتائج عشوائية بطرق قابلة للتكرار وتعتمد على قواعد معينة، مستفيدين بذلك من الانتظام الاحتمالي، مثل قانون الأعداد الكبيرة. هذه الملاحظة بالغة الأهمية لتوسيع فهمنا للتاريخ العالمي للفكر الاحتمالي.
تفتح هذه الدراسة الرائدة آفاقًا جديدة أمام الباحثين لفهم تطور الفكر البشري وكيف تفاعلت الحضارات المبكرة مع المفاهيم المعقدة مثل الاحتمالية. إنها شهادة على الذكاء البشري القديم وتؤكد أن الألعاب، على بساطتها الظاهرة، يمكن أن تحمل في طياتها مفاهيم علمية وفلسفية عميقة غير متوقعة.