من فضلك تسجيل الدخول أو تسجيل لتفعل ذلك.

لطالما اعتقدنا أن جينات الأب هي كل ما ينتقل إلى نسله، لكن الأدلة المتزايدة تشير إلى أن الحيوانات المنوية تحمل أكثر من مجرد حمض نووي. إنها تحمل بصمات تجارب حياة الأب، والتي يمكن أن تؤثر بشكل كبير على سمات النسل. تخيل فئراناً رياضية بالفطرة، قادرة على الجري لمسافات أبعد وتراكم حمض اللاكتيك بشكل أقل، لا بسبب جيناتها الموروثة أو تدريبها الخاص، بل بسبب عادات والدها في ممارسة الرياضة قبل الحمل بها. هذا هو الاكتشاف المدهش الذي توصل إليه فريق شين يين في جامعة نانجينغ بالصين.

حلل فريق يين الجزيئات داخل الحيوانات المنوية للفئران الرياضية، ووجدوا أجزاء صغيرة من الحمض النووي الريبوزي (RNA)، وتحديداً جزيئات microRNAs، بكميات أعلى بكثير مما هي عليه في الحيوانات المنوية للفئران الخاملة. عندما قام العلماء بحقن هذه الجزيئات في أجنة غير ذات صلة، أنتجوا حيوانات تتمتع بصحة جيدة ولياقة بدنية مماثلة لتلك التي ولدت لآباء يمارسون الرياضة، مما يشير إلى أن الجري قد لا يفيد المتدرب فحسب، بل أطفاله الذين لم يولدوا بعد أيضاً.

الأدلة المتزايدة على التأثير الأبوي

تضيف هذه الدراسة الحديثة لعام 2025 إلى مجموعة متزايدة من الأدلة التي تؤكد أن الحيوانات المنوية ليست مجرد حوامل للحمض النووي. على مدى العقدين الماضيين، كشفت الدراسات على الفئران عن أن جزيئات microRNA وأنواعاً أخرى من أجزاء RNA داخل خلايا الحيوانات المنوية تتغير استجابةً لمجموعة واسعة من العوامل الأبوية. وقد وثق الباحثون تغيرات تنموية وأيضية وحتى معدلات مختلفة من الاكتئاب لدى النسل الذكري، تماشياً مع هذه التغيرات الأبوية. تشمل هذه العوامل:

  • ممارسة الرياضة أو الخمول.
  • الأنظمة الغذائية الغنية بالدهون أو السكر.
  • الإجهاد اليومي وصدمات الطفولة.
  • الإفراط في شرب الكحول.
  • التعرض للمبيدات الحشرية ومخاطر بيئية أخرى.

على الرغم من التحديات في دراسة هذا التأثير على البشر، فقد وثق الباحثون أيضاً تقلبات في أجزاء RNA في الحيوانات المنوية للرجال الذين يمارسون الرياضة أو يدخنون أو يتناولون السكر الزائد، وكذلك الرجال الذين يعانون من السمنة أو مروا بطفولة مؤلمة. كما تشير الدراسات إلى أن أطفال الآباء الذين يعانون من زيادة الوزن أو تحديات الصحة العقلية هم أكثر عرضة للإصابة بهذه الحالات.

الوراثة اللاجينية: ما وراء الجينات

تعود ملاحظة التأثيرات الموروثة بين الأجيال لنمط حياة الأب إلى الستينيات، ولكن الدراسات التجريبية باستخدام النماذج الحيوانية لم تبدأ إلا بعد عقود. اليوم، يؤكد الباحثون وجود هذه التأثيرات، ولكن الآلية الدقيقة لانتقالها لا تزال قيد البحث. ويعتقدون أن النتيجة النهائية هي تعديلات على نشاط الجينات، وهي ظاهرة تعرف باسم علم الوراثة اللاجينية.

تحدث التعديلات اللاجينية بشكل طبيعي أثناء التطور وتحدث أيضاً طوال حياتنا بسبب عوامل مثل التعرض للمواد الكيميائية، والتدخين، وممارسة الرياضة، والإجهاد، والأنظمة الغذائية. يمكن أن تحدث هذه التغييرات في خلايا الجسم المختلفة، بما في ذلك الخلايا التي تنتج الحيوانات المنوية. ومع تزايد الأدلة على أن الحيوانات المنوية تنقل المعلومات البيئية إلى النسل، بدأ الباحثون في فحص الآليات اللاجينية المحتملة. ورغم وجود احتمالات أخرى مثل مجموعات الميثيل والأسيتيل، إلا أن فكرة أن RNAs الصغيرة تحمل الإشارات البيئية هي التي تحظى حالياً بالدليل الأكثر مباشرة.

رحلة الحمض النووي الريبوزي الأبوي

في البداية، افترض الباحثون أن الحيوانات المنوية تصنع هذه الجزيئات المجهرية في الخصيتين. ولكن في عام 2016، كشفت دراسة أجراها كولين كونين وأوباسنا شارما وزملاؤهما عن حقيقة مختلفة: تلتقط الحيوانات المنوية جزيئات RNA صغيرة من البربخ، وهو أنبوب ملتوي يحمل الحيوانات المنوية خارج الخصيتين، أثناء رحلتها. هذا يعني أن الحيوانات المنوية تقوم بتخزين المعلومات البيئية خلال هذه الرحلة.

وقد أكدت مجموعات بحثية أخرى لاحقاً أن الحركة عبر البربخ كانت مرتبطة بإعادة تشكيل RNAs الصغيرة في الحيوانات المنوية للقوارض المعرضة لتحديات بيئية. حتى أن إحدى الدراسات وجدت أن تنشيط استجابة الحيوان للضغط قبل أسبوعين فقط من الحمل، أي عندما تكون الحيوانات المنوية قد بدأت رحلتها بالفعل في البربخ، لا يزال ينتج تغيرات أيضية في النسل. وأظهرت دراسات لاحقة في عامي 2020 و 2021 أن حقن البربخ من القوارض المجهدة أو المدمنة على الكحول أدى إلى ولادة نسل يحمل نفس السمات.

تحديات وشكوك علمية

على الرغم من عقدين من البحث، لا تزال هناك عقبات وشكوك في المجتمع العلمي. يقول كيفن ميتشل، عالم الوراثة والأعصاب، إنه متشكك للغاية لعدة أسباب، أبرزها قلة الأدلة المباشرة على أن الحيوانات المنوية تنقل RNA إلى البويضة، وصعوبة تحديد مصدر أجزاء RNA. وقد وصف رافاييل تيبيرينو، عالم الوراثة اللاجينية الجزيئية، هذا بأنه “أحد أكبر الشكوك في المجتمع العلمي حول الوراثة اللاجينية”.

مسألة أخرى بالغة الأهمية هي التخفيف: فخلية الحيوان المنوي أصغر بآلاف المرات من البويضة، مما يجعل مخزونها من RNA الصغير يبدو كقطرة في محيط خلية البويضة. كيف يمكن لكمية ضئيلة كهذه أن تحدث أي فرق؟ يقول أوليفر راندو، الذي شارك في تأليف مقال حول تأثير الأبوة: “إن مسألة التخفيف هي أخطر انتقاد للتأثيرات الأبوية”.

تطور الفهم العلمي

جاءت نتيجة مهمة في عام 2024، عندما تمكن مختبر تيبيرينو من تحديد أصول أجزاء RNA في الأجنة المبكرة من الأب، باستخدام سلالتين من الفئران بتنوع كافٍ في الحمض النووي للميتوكوندريا. ومع ذلك، يقر تيبيرينو بأن دراسة واحدة لن تزيل شكوك المتشككين جميعاً.

في دراسة لعام 2026 لا تزال قيد المراجعة، حقنت كونين وزملاؤها أجنة مبكرة بكمية 200 جزيء من microRNA، وهي كمية توجد عادة في خلايا الحيوانات المنوية للفئران التي تستهلك الكحول. وولد هذا النسل بصغار يعانون من تشوهات قحفية وجهية مرتبطة بمتلازمة الكحول الجنينية المشتقة من الأب، وهي ظاهرة موثقة أيضاً لدى البشر. ووجد الباحثون أن هذا microRNA يرتبط بمجموعة من الإنزيمات المثبطة، مما يثبط جينات معينة في الجنين ويحفز سلسلة من التغييرات في نشاط الجينات التي تعدل مسار التنمية. وعند زيادة كمية microRNA المحقونة، زادت التغيرات التنموية.

لا يزال العلماء لا يعرفون ما الذي يدفع بعض أنواع RNA الصغيرة إلى التراكم استجابة لتجارب الذكور، أو كيف تنتج هذه الجزيئات تأثيرات محددة في النسل. تشير إحدى النظريات إلى أن التأثيرات الأبوية قد تكون أكثر عمومية مما هو معترف به حالياً، وقد تتوسطها تغييرات في المشيمة، مما يؤثر على السلوك والتمثيل الغذائي، بما في ذلك القلق وتغيرات الوزن والتحكم في السكر.

إعادة تقييم دور الأب في التخطيط الأسري

مهما كانت الآلية الدقيقة، هناك الآن أدلة كافية لإعادة التوازن إلى المسؤولية الأبوية في التخطيط الأسري، كما يقول تيبيرينو. ويضيف: “الأمر كله الآن يتعلق بالنساء تقريباً. عندما يخطط الزوجان لتكوين أسرة، يعطي الطبيب المرأة قائمة من القواعد التي يجب اتباعها. وهذا لم يعد صالحاً بعد الآن، نحتاج على الأقل إلى تقديم توصيات لكليهما.” هذا الفهم المتعمق للوراثة اللاجينية الأبوية يدعو إلى نظرة أكثر شمولية للصحة الإنجابية والنمو البشري.

أفخم 5 سيارات دفع رباعي تعمل بالوقود العادي: رفاهية وكفاءة 2026
تطبيقات تتبع جهات الاتصال وهانتا: لا حلول سهلة

Reactions

0
0
0
0
0
0
بالفعل كان رد فعل لهذا المنصب.

ردود الفعل