طالبت بولندا، ممثلة بنائب رئيس الوزراء ووزير الشؤون الرقمية كرزيستوف جاوكوفسكي، المفوضية الأوروبية بفرض غرامة ضخمة على شركة ميتا، تقدر بـ 250 مليون يورو (حوالي 291 مليون دولار أمريكي)، وذلك بسبب تفشي عمليات الاحتيال والإعلانات المضللة على منصتي فيسبوك وإنستغرام.
وأكد جاوكوفسكي على ضرورة أن تُقدم ميتا فوراً أدوات فعالة للقضاء على هذه الممارسات الاحتيالية، والإعلانات الكاذبة، والترويج للتطبيقات غير القانونية، مشيراً إلى أن بلاده تواجه بالفعل دعاوى قضائية تتعلق بإعلانات احتيالية.
الخلفية والمطالبات البولندية
في 18 أغسطس الماضي، وجهت وارسو تسعة أسئلة مكتوبة إلى ميتا، تتناول حجم إعلانات الاحتيال في بولندا، وكيفية كشف الشركة للتزييف العميق (Deepfake)، وآلياتها للتحقق من المعلنين، والوقت المستغرق لإزالة الإعلانات المبلغ عنها، مع مهلة سبعة أيام للرد.
وكان نائب الوزير داريوس ستاندرسكي قد صرح في وقت سابق بأن الخطوة التالية، في حال عدم رضى بولندا عن الإجابات، ستكون توجيه رسالة إلى المفوضية الأوروبية للمطالبة بفتح إجراءات بموجب قانون الخدمات الرقمية (DSA)، وهو ما تم بالفعل.
ومع ذلك، تكمن المفارقة الدستورية في أن بولندا لا تملك صلاحية فرض الغرامة على ميتا أو تحديد قيمتها، حيث يقع تطبيق القانون ضد المنصات الرقمية الضخمة بشكل حصري ضمن اختصاص المفوضية الأوروبية. لذا، فإن مبلغ 250 مليون يورو يمثل مجرد طلب، وليس عقوبة ملزمة.
ويُعد هذا الطلب متواضعاً نسبياً بالنظر إلى إمكانيات قانون الخدمات الرقمية، الذي يسمح بفرض غرامات تصل إلى 6% من حجم الأعمال السنوية العالمية للشركة. هذا يعني أن الغرامة على ميتا قد تصل إلى عدة مليارات من اليورو، وقد فرضت المفوضية في السابق غرامات تقدر بمئات الملايين.
على سبيل المثال، تم تغريم منصة X (تويتر سابقاً) بمبلغ 120 مليون يورو العام الماضي لانتهاكها التزامات الشفافية. بالمقارنة، يبدو مبلغ 250 مليون يورو المقترح لإعلانات الاحتيال رقمًا معقولاً وغير عقابي بشكل مبالغ فيه.
يبقى السؤال الأهم: هل ستتخذ المفوضية إجراءً بناءً على هذا الطلب؟ فالدول الأعضاء يمكنها التقدم بالشكاوى والإعلان عن مطالبها، لكن بروكسل هي من تحدد أولوياتها التنفيذية، وقد أظهرت تباطؤاً ملحوظاً في إغلاق القضايا الكبرى التي فتحتها بالفعل.
سوابق قانونية وتداعيات محتملة
ما أضفى على هذا الأمر أهمية سياسية بالغة في بولندا هو الخلاف الدائر مع رافائيل برزوسكا، مؤسس شركة InPost لخزائن الطرود وأحد أغنى رجال الأعمال في البلاد.
لسنوات، استُخدمت صورة برزوسكا التي تم التلاعب بها في إعلانات استثمارية احتيالية، شملت حتى ادعاءات كاذبة بوفاته، وهو ما وصل إلى علم أطفاله.
بعد أن انتقد برزوسكا هذه الإعلانات علناً، قامت ميتا بتعليق حسابه على إنستغرام. وقد وصف جاوكوفسكي هذا الإجراء بأنه الرقابة في أحلك صورها، وهي عبارة عادة ما تسبق تقديم شكوى رسمية.
حكم محكمة وارسو: ميتا شريك نشط
بعيداً عن الجانب السياسي، هناك حكم قضائي له تداعيات أوسع. ففي مارس الماضي، رفضت محكمة الاستئناف في وارسو، التي نظرت في قضية رفعها برزوسكا وأومينا منساه، محاولة ميتا للاحتماء بدرع المسؤولية الخاص بالاستضافة بموجب قانون الخدمات الرقمية (DSA).
ويكمن جوهر منطق المحكمة في أن ميتا تتلقى أجراً وتوفر الدعم والأدوات (الخوارزميات) للمعلنين. هذا يجعلها شريكاً نشطاً في الإعلان، وليس مجرد وسيط سلبي، وبالتالي يضعها خارج حماية المادتين 6 و 7 من قانون الخدمات الرقمية.
جادلت ميتا، كما تفعل معظم المنصات، بأنها مجرد مستضيف للمحتوى الذي يقدمه المعلنون. إلا أن المحكمة لم تقبل فكرة أن تكون شركة تبيع أدوات الاستهداف وتحصل على جزء من الإنفاق الإعلاني مجرد متفرج على المحتوى المنشور.
إذا أُخذ بهذا التفسير القضائي، فإنه سيُحدث تحولاً جذرياً في اقتصاديات الاحتيال الإعلاني عبر السوق الموحدة. فالمنصة التي تُعتبر مشاركاً نشطاً في الإعلان المدفوع تكون مسؤولة عن هذا الإعلان، وهو دور يختلف جوهرياً عن مجرد استضافة أي محتوى يرفعه المعلنون.
تحديات التنفيذ والمستقبل
تكمن مفارقة أخرى في موقف بولندا، وهي أن قانون الخدمات الرقمية الخاص بها لم يتم إقراره إلا هذا الشهر، بعد نقض رئاسي في يناير. كما أثارت هيئة الرقابة المحلية التي أنشأتها بولندا انتقادات بسبب ضمها لمشرعين عاملين. وبالتالي، تطالب بولندا بروكسل بتطبيق قانون تم دمجه مؤخراً في نظامها الأساسي الوطني.
لم تستجب ميتا علناً لهذا الطلب حتى الآن. وفي سياق متصل، تقدمت مجموعات المستهلكين الأوروبية بشكاوى خاصة بقانون الخدمات الرقمية ضد ميتا وتيك توك وجوجل في مايو الماضي بشأن إعلانات الاحتيال المالي. كما تلاحق المفوضية ميتا بشكل منفصل فيما يتعلق بـ التصميم الإدماني وحماية الأطفال، مما يشير إلى أن قائمة القضايا المعلقة طويلة بالفعل.