بعد عقود من الانتظار، تعود البشرية بخطوات واثقة نحو القمر مع مهمة أرتميس 2 التاريخية لوكالة ناسا. فبعد مرور أكثر من خمسين عامًا على آخر رحلة بشرية دارت حول القمر ضمن برنامج أبولو، تستعد مركبة أوريون، محمولة على متن صاروخ نظام الإطلاق الفضائي العملاق، للانطلاق من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا. هذه المهمة، التي يقودها طاقم دولي من أربعة رواد فضاء، لا تمثل مجرد رحلة إلى مدار القمر على بعد حوالي 250 ألف ميل من الأرض، بل هي إيذان ببدء عصر جديد من استكشاف الفضاء وأحلام بناء قاعدة قمرية مستقبلية.
كان من المقرر أن ينطلق الصاروخ يوم الأربعاء في تمام الساعة 6:24 مساءً بالتوقيت الشرقي / 3:24 مساءً بتوقيت المحيط الهادئ من مركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال بولاية فلوريدا. ومع ذلك، فإن التأخيرات، لا سيما بسبب الظروف الجوية، تعد أمرًا شائعًا في عمليات الإطلاق الفضائية.
يمكن للمهتمين بمتابعة هذا الحدث التاريخي مشاهدة البث المباشر عبر قنوات ناسا الرسمية على يوتيوب، وكذلك عبر موقعها الإلكتروني وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي. وتتوفر تغطية خاصة باللغة الإسبانية على قناة ناسا الإسبانية على يوتيوب.
أهداف مهمة أرتميس 2 وما يمكن توقعه
تُعد مهمة أرتميس 2 حلقة وصل حاسمة في برنامج ناسا لاستكشاف القمر. صُممت هذه الرحلة لتدور حول القمر لمدة 10 أيام، ولن يقوم رواد الفضاء بالهبوط على سطحه هذه المرة. بدلاً من ذلك، تتركز المهمة على اختبار أنظمة دعم الحياة في المركبة أوريون لأول مرة وهي تحمل طاقمًا بشريًا، وهو ما يمثل خطوة أساسية نحو المهام المستقبلية. كما تمهد أرتميس 2 الطريق لبعثات أرتميس اللاحقة، بما في ذلك أرتميس 4، المقرر إجراؤها في عام 2028، والتي تهدف إلى إعادة البشر إلى سطح القمر.
تحية ملكية من الملك تشارلز لرواد الفضاء
تتابع أنظار العالم بأسره، بما في ذلك الدوائر الملكية، الاستعدادات النهائية لهذه المهمة الفضائية الهامة. وقد شارك الحساب الرسمي للعائلة المالكة البريطانية على إنستغرام رسالة من الملك تشارلز الثالث، يبعث فيها أطيب تمنياته لأحد رواد الفضاء المشاركين.
وُجهت رسالة الملك الخاصة إلى أخصائي المهمة ورائد الفضاء بوكالة الفضاء الكندية، العقيد جيريمي هانسن، الذي سيكتب التاريخ كأول كندي يشارك في مهمة إلى القمر. وتأتي هذه التحية نظرًا لكون كندا جزءًا من كومنولث الأمم البريطانية.
قال الملك في رسالته: بينما تشرعون في هذا المسعى الجلل، أرسل لكم ولزملائكم في الطاقم خالص تمنياتي القلبية. أتمنى أن تتماشى النجوم في صالحكم، وأن يلهم عودتكم الآمنة عددًا لا يحصى من الآخرين لتعزيز قيم الاستدامة والتعاون والدهشة التي تلهمها ميثاق أسترا.
يشير مصطلح ميثاق أسترا إلى مبادرة أطلقها الملك تشارلز لإلهام الاستدامة عبر قطاع صناعة الفضاء.
أهمية مهمة أرتميس 2 في استكشاف الفضاء
على الرغم من أن مهمة أرتميس 2 لا تتضمن هبوط رواد فضاء على سطح القمر، إلا أنها تحمل أهمية بالغة لعدة أسباب. فعلى غرار مهمة أبولو 8، التي مهدت الطريق لنيل أرمسترونج وزملائه من رواد فضاء أبولو 11 ليكونوا أول من يسير على القمر، تُعد أرتميس 2 حجر الزاوية لمهام ناسا المستقبلية. إنها أول مهمة مأهولة في هذه السلسلة، وتضع صاروخ نظام الإطلاق الفضائي وأنظمة دعم الحياة الخاصة به تحت الاختبار الفعلي.
كما تخطط ناسا لبعثتين أخريين من أرتميس ممولتين حتى عام 2028، مع مهمة أرتميس 4 التي ستعيد البشر إلى القمر. علاوة على ذلك، يهدف طاقم أرتميس 2 إلى الوصول إلى الفضاء السحيق أبعد من أي مهمة سابقة، حيث سيبلغ الصاروخ أكثر من 4700 ميل من الجانب البعيد للقمر في ذروة مداره. ومع التزام ناسا والوكالات الفضائية الأخرى باستكشاف الفضاء الأعمق والمريخ، فإن بناء واختبار التكنولوجيا والمعدات القادرة على دعم المهام طويلة الأمد يصبح أمرًا حيويًا.
الرؤية العميقة لمهمة أرتميس 2: من الاستكشاف إلى الاستغلال
لطالما رافقت ذكريات مهمات أبولو القمرية العديد منا أثناء نشأتنا. كان كل إطلاق، وكل خطوة على سطح القمر، وكل هبوط آمن على الأرض يثير حماسًا عارمًا. لكن فجأة، انتهى كل شيء. لقد مر أكثر من 50 عامًا منذ أن قام البشر بهذه الرحلة الملحمية بعيدًا عن كوكبهم الأم. والآن، جاء برنامج أرتميس ليعيد إحياء هذا الشعور بالرهبة والدهشة. فبعد أن أصبح السفر إلى الفضاء أمرًا شبه روتيني بفضل الرحلات المتعددة لمكوكات الفضاء ومركبات سويوز وسبيس إكس إلى المدار والإقامات الطويلة في محطة الفضاء الدولية، تأتي أرتميس 2 لتغير هذا التصور.
أرتميس 2 هنا لتعيد تعريف المفهوم.
هذا يدفعنا للتفكير في الوجهة التي ستأخذنا إليها هذه المهام. كان برنامج أبولو تتويجًا للموجة الأولى من استكشاف الفضاء، وهي حقبة من الإنجازات البطولية للعلماء والمهندسين ورواد الفضاء على حد سواء. أما مهام أرتميس فتمثل بداية حقبة جديدة تمامًا من استغلال الفضاء. لن يمضي وقت طويل قبل أن نبدأ في استغلال الموارد الطبيعية للقمر، وقبل أن يصبح التعدين الفضائي خيارًا وظيفيًا حقيقيًا. فبدلاً من نيل أرمسترونج، قد يصبح إيلون ماسك قريبًا وجه مساعينا القمرية. يبقى الأمل في أن يبقى شعور الدهشة والمغامرة رفيقًا لنا في هذه الرحلة.