في عالمنا الرقمي سريع التطور، غالبًا ما نفترض أن التفاعل مع التقنية يتطلب القدرة على تحريك الأيدي، التمرير، النقر، والكتابة. لقد بُني النموذج الكامل للتفاعل بين الإنسان والحاسوب حول هذه الفرضية. لكن هذا الافتراض لا ينطبق على ما يقدر بـ 200 مليون شخص حول العالم يعانون من إعاقات جسدية خطيرة. هنا يأتي دور مشروع الإنسانية من مختبر دنتسو (Dentsu Lab)، الذي يهدف إلى سد هذه الفجوة من خلال بناء واجهات تترجم إشارات العضلات الدقيقة والموجات الدماغية إلى تعبير رقمي كامل، وقد عُرض هذا الإنجاز على مسرح حي في أمستردام في ديسمبر 2025.
الإشارة في الصمت: تحدي التصلب الجانبي الضموري
يُعد التصلب الجانبي الضموري (ALS) مرضًا تنكسيًا عصبيًا تقدميًا تتدهور فيه الخلايا العصبية الحركية المسؤولة عن الحركة الإرادية تدريجيًا. يصبح الجسم غير قادر على الحركة، غالبًا بشكل كامل، بينما يبقى العقل سليمًا تمامًا. بالنسبة لمعظم المرضى، لا يتطلب المرض الإدراك بل يتطلب التعبير. رأى المهندسون في مختبر دنتسو أن هذا يمثل مشكلة واجهة رئيسية، فإذا تعرضت قناة الإخراج – الجسد – للخطر، فإن الحل يكمن في إيجاد قناة جديدة.
يبدأ نهجهم باستخدام مستشعرات تخطيط كهربية العضل (EMG) التي تُثبت مباشرة على جسم المريض. تكتشف هذه المستشعرات النشاط الكهربائي الناتج حتى عن أصغر الانقباضات العضلية المتبقية. تُعالج هذه البيانات البيولوجية الأولية بعد ذلك وتُعين على صورة رمزية رقمية – تمثيل كامل للجسم في الفضاء الافتراضي يعكس الحركات المقصودة للمستخدم. الواجهة هنا ليست رمزية أو مجردة، بل تتجسد؛ فالصورة الرمزية تتحرك لأن عضلات الشخص لا تزال تحاول الحركة، والنظام ببساطة يجعل هذه النية قابلة للقراءة.
أكثر من مجرد إمكانية وصول: واجهة رقمية متعددة الأغراض
ما يجعل هذا النهج مثيرًا للاهتمام تقنيًا هو أن الصورة الرمزية ليست مجرد تمثيل، بل هي سطح تحكم متكامل. بمجرد تعيينها، يمكن استخدامها للتفاعل مع أي برنامج: أدوات الإنتاجية، منصات الاتصال، والتطبيقات الإبداعية. لا يقتصر المستخدم على أداة مساعدة مخصصة، بل يمتلك هيئة رقمية متعددة الأغراض في الفضاء الافتراضي. أثبت مختبر دنتسو هذا بالفعل في سياق الرياضات الإلكترونية، حيث أداروا أحداثًا تجريبية يلعب فيها المشاركون ذوو الإعاقات الجسدية الألعاب عبر الإنترنت جنبًا إلى جنب مع الأشخاص الأصحاء. وكانت النتيجة واضحة: أصبحت الاختلافات في القدرة البدنية غير ذات صلة على مستوى الواجهة.
ولهذا آثار مباشرة تتجاوز الألعاب؛ فإذا أمكن تعميم الواجهة، فإنها تصبح طريقًا إلى الميتافيرس للأشخاص الذين لا يملكون حاليًا وسيلة عملية للوصول – مما يفتح لهم المنصات التعليمية، وبيئات العمل عن بعد، والمساحات الاجتماعية التي لا يمكن الوصول إليها بأي طريقة أخرى.
أمستردام، ديسمبر 2025: رقصة بإشارة الدماغ
إذا كانت تجربة الرياضات الإلكترونية دليلًا على الوظيفة، فإن حدث أمستردام كان دليلًا على التعبير. في مساء يوم 10 ديسمبر 2025، وبالتعاون مع شركة NTT Inc.، أقام مختبر دنتسو عرضًا راقصًا حيًا في أمستردام شاركت فيه برينا أولسون – وهي راقصة محترفة تعيش مع مرض التصلب الجانبي الضموري. تحولت الآلية الفنية هنا من مستشعرات تخطيط كهربية العضل (EMG) إلى الكشف عن الموجات الدماغية. تم التقاط الإشارات العصبية لبرينا – النشاط الكهربائي المتوافق مع نيتها في التحرك والرقص – وترجمتها في الوقت الفعلي إلى تصميم الرقصات التي تؤديها صورتها الرمزية الرقمية على المسرح. وصفت برينا التجربة بأنها مبهجة وساحرة، حيث شاهدت نفسها، في شكل افتراضي، وهي تعود إلى خشبة المسرح مرة أخرى.
مستقبل التفاعل: نحو عالم أكثر شمولاً
يمثل مشروع الإنسانية لمختبر دنتسو خطوة ثورية نحو مستقبل حيث لا تعيق الإعاقات الجسدية القدرة على التعبير أو التفاعل مع العالم الرقمي. من خلال تحويل الإشارات العصبية والعضلية الدقيقة إلى حركات رقمية ذات معنى، تفتح هذه التقنيات آفاقًا جديدة للأشخاص الذين يعيشون مع حالات مثل التصلب الجانبي الضموري، مما يمكنهم من استعادة جزء حيوي من إنسانيتهم وتواجدهم. إنه تذكير قوي بأن الابتكار الحقيقي لا يتعلق فقط بما يمكن للتقنية أن تفعله، بل كيف يمكنها أن تعزز القدرات البشرية وتجعل العالم متاحًا للجميع.