تستعد الولايات المتحدة لتوجيه رسالة حاسمة إلى 35 دولة، تضعها أمام مفترق طرق في سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي. فوفقًا لمسودة تقرير نشرته وكالة رويترز، نقلًا عن مسؤول أمريكي ووثيقة داخلية، تهدف هذه الرسالة إلى مطالبة الدول الموقعة على إعلان الفرص في الذكاء الاصطناعي الأمريكي باختيار أحد الجانبين صراحةً.
تتسم الصياغة في الوثيقة الدبلوماسية بلهجة مباشرة وغير معتادة، حيث جاء فيها: أن تكون جزءًا من كل شيء يعني ألا تكون جزءًا من أي شيء. وتشدد الرسالة على أن التوقيع على إعلان باكس سيليكا ليس مجرد اشتراك، بل هو التزام حقيقي، وتحث الدول على اتخاذ قرار مدروس وحاسم.
لم تتمكن رويترز من تأكيد موعد إرسال واشنطن لهذه الرسالة، أو ما إذا كان نصها سيتغير قبل ذلك، كون المسودة غير مؤرخة. وامتنعت وزارة الخارجية الأمريكية عن التعليق على ما وصفته بـ وثائق داخلية مسربة مزعومة.
ما هي مبادرة باكس سيليكا (Pax Silica)؟
أطلقت واشنطن مبادرة باكس سيليكا العام الماضي بهدف تأمين سلاسل الإمداد في ثلاثة مجالات حيوية متزامنة: نماذج الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، والمعادن الحيوية.
انضمت حوالي أربعة وعشرين دولة إلى المبادرة، من بينها اليابان، أستراليا، كوريا الجنوبية، وكازاخستان. يتيح الانضمام للدول الأعضاء فرصة الوصول إلى فرص استثمارية مشتركة في مشاريع الذكاء الاصطناعي، ويشجع الإطار العام على التعاون في المشاريع المشتركة وتنسيق ضوابط التصدير.
المجموعة الأوسع نطاقًا والأكثر مرونة، هي مجموعة الدول الخمس والثلاثين الموقعة على إعلان الفرص في الذكاء الاصطناعي، والذي يعني الموافقة الرمزية على هدف مشترك ورؤية مشتركة مع الولايات المتحدة، وفقًا لبيان وزارة الخارجية. هذه المجموعة هي من ستتلقى الرسالة الآن.
تجدر الإشارة إلى أن الإطار الحالي لمبادرة باكس سيليكا غير ملزم، وهذا هو بالتحديد الفجوة التي تحاول الرسالة سدها.
كازاخستان: الشرارة التي أشعلت الأزمة
في يونيو الماضي، انضمت كازاخستان إلى مبادرة باكس سيليكا، وقد شددت وزارة الخارجية الأمريكية على أهمية هذه الخطوة آنذاك، معتبرةً إياها أول انضمام من آسيا الوسطى، وذلك نظرًا لاحتوائها على احتياطيات كبيرة من المعادن الضرورية لإنتاج الرقائق المتقدمة.
ولكن بعد فترة وجيزة، انضمت كازاخستان أيضًا إلى الإطار الصيني المنافس، لتصبح الدولة الوحيدة المعروفة بتوقيعها على المبادرتين. وهو ما أثار ناقوس الخطر في واشنطن، بحسب تقارير رويترز.
تكمن المشكلة الرئيسية في المعادن الحيوية، حيث سبق أن استخدمت الصين احتكاراتها شبه الكاملة في هذا المجال كسلاح انتقامي خلال حرب التعريفات الجمركية. إن وجود مورد يتأرجح بين الكتلتين هو السيناريو الذي تسعى مبادرة باكس سيليكا إلى منعه تحديدًا.
منظمة شي جين بينغ للتعاون في الذكاء الاصطناعي
لم يمر شهر واحد على إطلاق الهيئة المنافسة. فقد أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ عن المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي خلال مؤتمر شنغهاي في يوليو، وقدم نماذج الصين مفتوحة المصدر كبديل للتأثير الأمريكي.
يختلف العرض الصيني جوهريًا. فبينما تقدم باكس سيليكا فرصًا للاستثمار المشترك وضوابط مشتركة، تعرض بكين نماذج يمكن تنزيلها.
لكن موقف الصين نفسه ليس منفتحًا بالقدر الذي يوحي به العرض. فقد ذكرت رويترز في يوليو أن بكين تدرس قيودًا على الوصول الخارجي إلى نماذجها الرائدة في الذكاء الاصطناعي. كلا الجانبين يعملان على تحديد مدى الوصول الذي هما على استعداد لتقديمه.
الكلمة الغائبة عن الرسالة
لا تذكر الرسالة كلمة الصين بشكل مباشر. بل تشير بدلًا من ذلك إلى مبادرات متكررة تتعارض توقعاتها مع توقعاتنا، تاركةً القارئ ليملأ الفراغ بالاسم.
لكن المسؤول الأمريكي الذي تحدثت إليه رويترز كان أقل حذرًا، حيث صرح، بشرط عدم الكشف عن هويته، أن الهدف من صياغة الرسالة هو توضيح أنه لا يمكن الجمع بين الطرفين.
ويكمل المسؤول حجة واشنطن بالقول إنه من الصعب أن تضع دولة نفسها بشكل موثوق كشريك موثوق به في نظام بيئي تكنولوجي واحد، بينما تنضم في الوقت نفسه إلى مبادرة صممتها الصين لتعزيز رؤية منافسة.
التوقيت ليس صدفة
حققت النماذج الصينية مفتوحة المصدر تقدمًا كبيرًا، وسدت جزءًا كبيرًا من الفجوة مع الأنظمة الاحتكارية من شركات مثل OpenAI وAnthropic. وقد قدم الرئيس التنفيذي لـ Hugging Face أرقامًا هذا الشهر، مشيرًا لشبكة CNBC إلى أن الصين تفوز بسباق النماذج مفتوحة المصدر بنسبة 41% من التنزيلات.
الصناعة الأمريكية نفسها ليست موحدة بالكامل حول النهج المغلق، حيث خالفت إنفيديا وعدة شركات كبرى أخرى شركات مثل OpenAI وAnthropic هذا العام بخصوص النماذج مفتوحة المصدر.
في الوقت نفسه، تتزايد آليات الإنفاذ. تدرس وزارة التجارة الأمريكية حاليًا كيفية حصول الصين على الوصول عن بعد إلى رقائق إنفيديا التي لا يمكنها شراؤها مباشرة. وهددت وزيرة الخزانة بفرض عقوبات صريحة على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية.
أوروبا خارج الصورة؟
ما يلفت الانتباه من منظور أوروبي هو أن رويترز تذكر اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية وكازاخستان ضمن أعضاء باكس سيليكا، لكنها لا تذكر أي دولة أوروبية.
هذا لا يمثل دليلًا قاطعًا على الغياب، لأن التقرير لم ينشر القائمة الكاملة. ومع ذلك، يبقى الأمر لافتًا للنظر بالنظر إلى أن الإطار يغطي الرقائق والمعادن الحيوية، وهما مجالان تتعامل فيهما أوروبا بقدر كبير.
قضت بروكسل العام الماضي في بناء موقف ثالث بدلًا من الانحياز لأي طرف. فـ قواعد صنع في الاتحاد الأوروبي تبدأ بحد أدنى 5% من المحتوى المحلي وتغطي الأجهزة، كما يمتد دفع السيادة ليشمل الحوسبة الأوروبية والأقمار الصناعية الأوروبية والنماذج الأوروبية.
تأتي الرسالة التي تطالب باختيار ثنائي في خضم هذا المشهد. وما يجب مراقبته هو ما إذا كانت أي عاصمة أوروبية ستتلقى هذه الرسالة.
حجج مضادة تظهر خلال ساعات
قدمت المحللة الصينية روي ما حجة مفادها أن الرسالة قد تكلف أكثر مما تجلب. ففي منشور لها على منصة X، رأت أن العالم يراقب جانبًا يسعى لتسليح سلاسل الإمداد والتحكم في الوصول، بينما يروج الجانب الآخر لتقنية مفتوحة ووصول واسع.
نقطتها حول المتانة كانت أكثر حدة، حيث كتبت أن التحالفات ليست دائمة والحوافز تتغير، وهو ما يعد تحذيرًا من الإكراه وليس دفاعًا عن بكين.
ظهرت حجة ثالثة بالتوازي مع ذلك، حيث استجاب عدد من المطورين بأن على الدول بناء أنظمتها الخاصة والاعتماد على أي من الكتلتين، لأن أي تبعية تمنح طرفًا آخر مفتاح التحكم في اقتصادها. لكن هذا القول أسهل من التمويل.
ما الذي سيحسم الأمر؟
ثلاثة أمور ستحسم المشهد، أولها هو ما إذا كانت الرسالة سترسل بالفعل، فهي مجرد مسودة غير مؤرخة، ووزارة الخارجية لم تؤكد وجودها.
ثانيًا، كازاخستان هي حالة الاختبار الحقيقية، فهي تمتلك المعادن الحيوية، وما ستفعله عند وصول الرسالة سيحدد مدى قوة هذا التهديد.
ثالثًا، القائمة الكاملة للأعضاء. فقد أعلنت باكس سيليكا عن الانضمامات على حدة. وحتى تظهر أسماء الدول الخمس والثلاثين، لا يمكن لأحد خارج واشنطن أن يعرف من هي الدول التي تطلب الولايات المتحدة منها الاختيار.