في عالم يتزايد فيه اعتمادنا على تقنيات تحليل الحمض النووي للكشف عن خفايا الماضي، بات بإمكان العلماء الآن سبر أغوار التاريخ البيولوجي للأمراض. فبعد أن كشفت تحليلات الحمض النووي الميكروبي عن مسببات الأمراض التي فتكت بجنود نابليون عام 1812، يأتي اليوم اكتشافٌ جديدٌ ليؤكد أن المخطوطات القديمة ليست مجرد سجلات ثقافية، بل كبسولات زمنية بيولوجية فريدة.
مؤخراً، أذهل فريق من الباحثين المجتمع العلمي باكتشافهم لآثار الحمض النووي لفيروس جدري الأغنام (Sheeppox virus) القاتل، مدفونة بعمق داخل صفحات مخطوطات العصور الوسطى المصنوعة من الرق. هذا الكشف الرائد لا يفتح نافذة على فهمنا لتاريخ الأمراض الحيوانية فحسب، بل يسلط الضوء أيضاً على التقاطعات المعقدة بين الثقافة والبيولوجيا عبر آلاف السنين.
المخطوطات: كبسولات زمنية بيولوجية غير متوقعة
عمل الفريق البحثي على جمع عينات دقيقة من مجموعة واسعة من مخطوطات العصور الوسطى المحفوظة في كبرى المؤسسات الأكاديمية والمكتبات حول العالم، مثل جامعة ييل وجامعة كامبريدج وكلية ترينيتي. شملت هذه المخطوطات نصوصاً متنوعة تراوحت من أناجيل تعود للقرن التاسع إلى مجلدات تاريخية من القرن الخامس عشر، وكانت كلها تحمل في طياتها أدلة خفية لا تقدر بثمن.
كانت المفاجأة الكبرى هي العثور على الحمض النووي لفيروس جدري الأغنام على صفحات متعددة، وغالباً ضمن المخطوطة الواحدة. يشير هذا بقوة إلى أن الحيوانات التي استخدمت في صناعة الرق كانت مصابة بالفيروس، مما يعني أن قطعان الأغنام في العصور الوسطى عانت من تفشيات متكررة لهذا المرض. والأكثر إثارة للدهشة كان العثور على الفيروس على رق مصنوع من جلد العجل والماعز، مما يرجح إما انتقاله بين الأنواع أو حدوث تلوث أثناء عملية صناعة الرق.
لتعميق فهمهم لتطور الفيروس، استخرج الباحثون أيضاً الحمض النووي من أسنان أغنام من العصر البرونزي، تم جمعها من مواقع استيطان في روسيا وكازاخستان. وبمقارنة هذه التسلسلات القديمة مع تلك المستخلصة من مخطوطات العصور الوسطى، توصل العلماء إلى أن فيروس جدري الأغنام قد انحرف عن فيروسات جدري الماعز ومرض الجلد العقدي، وكلها تنتمي لعائلة فيروسات كابريبوكس (Capripoxviruses)، قبل ما بين 11500 و 3700 سنة. يتزامن هذا التباعد الزمني تقريباً مع فترة تدجين الحيوانات في أوروبا، مما يوفر رؤى قيمة حول العلاقة بين البشر والحيوانات وتطور الأمراض. ونتيجة لذلك، تمكن الفريق من استعادة 21 جينوماً قديماً يعود تاريخها إلى 1700 قبل الميلاد وحتى أوائل أوروبا الحديثة.
رؤى تاريخية عميقة بفضل التعاون العلمي
علق كيفن جي دالي، أحد المؤلفين المشاركين في الدراسة، من جامعة UCD، قائلاً: لطالما اعتبرت صناعة الرق حرفة آخذة في الاضمحلال، لكننا بدأنا نفهم الآن مقدار ما احتفظت به من الماضي. ويضيف دالي أن هذا المشروع يظهر أن المخطوطات لا تحافظ على تاريخنا الثقافي لمئات السنين فحسب، بل تحتفظ أيضاً بالمشهد المرضي لمواشينا في فترة العصور الوسطى. ويؤكد أن هذا النوع من الاكتشافات المذهلة والمثيرة لا يمكن تحقيقه إلا عندما يتضافر جهود الباحثين من تخصصات مختلفة لتبادل خبراتهم وبياناتهم، وهو ما يمثل جوهر العلم التعاوني.
تؤكد هذه الدراسة الرائدة على الإمكانات الهائلة الكامنة في إعادة فحص المصادر التاريخية باستخدام أحدث التقنيات العلمية. فالمخطوطات القديمة، التي طالما اعتبرت مجرد مستودعات للمعرفة البشرية، تكشف اليوم عن كونها كنوزاً بيولوجية تحمل مفاتيح فهمنا لتاريخ الأمراض، وتطور الكائنات الحية، وحتى التفاعلات البيئية التي شكلت عالمنا عبر العصور.
تم نشر هذا البحث في مجلة التقدم العلمي (Science Advances). رقم التعريف الرقمي للمقال (DOI): 0.1126/sciadv.aeh3571.