ما كان يبدو مجرد خيال علمي، كطائرات نفاثة قادرة على اختراق المحيط الهادئ الشاسع في أقل من ساعتين، يقترب اليوم من أن يصبح حقيقة ملموسة. فالاختبارات الأخيرة التي أجرتها وكالة استكشاف الفضاء اليابانية (JAXA) بالتعاون مع نخبة من الجامعات اليابانية، تدفع بهذه الرؤية الطموحة نحو واقع أقرب من أي وقت مضى.
هذه التطورات المذهلة تأتي بالتزامن مع جهود مماثلة في الولايات المتحدة، مثل اختبارات الطائرات الأسرع من الصوت بسرعة 5 ماخ، ومشروع ناسا X-59 الهادئ، الذي يهدف إلى إعادة تعريف مفاهيم الهندسة في الطيران على ارتفاعات عالية والرحلات السريعة وحتى السفر دون المداري.
كيف يعمل المحرك الياباني بسرعة 5 ماخ؟
المحرك النفاث التضاغطي (Ramjet)، وهو القلب النابض لهذه التكنولوجيا المبتكرة، هو نوع من المحركات النفاثة التي تعتمد على سحب الهواء ولا تحتوي على أجزاء متحركة. يستمد المحرك اسمه من اعتماده على الحركة الأمامية السريعة لـ ضغط وتكثيف الهواء الداخل قبل مزجه بالوقود وإشعاله لتوليد الدفع.
تُغني هذه التقنية عن الحاجة إلى ضواغط دوارة ثقيلة، مما يسمح للمحرك بالعمل بسرعات تتجاوز بكثير قدرات المحركات التوربينية التقليدية. ومع ذلك، هناك تحدٍ رئيسي: لا يمكن للمحرك النفاث التضاغطي أن يبدأ من وضع السكون؛ بل يجب دفعه أولاً إلى سرعات تفوق سرعة الصوت لكي يعمل بكفاءة.
خلال الاختبار الياباني، تم تركيب طائرة تجريبية داخل نفق رياح يحاكي الظروف الجوية على ارتفاع حوالي 25 كيلومترًا، حيث تصل كثافة الغلاف الجوي إلى حوالي 100% من كثافة مستوى سطح البحر. وعند هذا الارتفاع وبسرعة 5 ماخ، يمكن أن تصل درجات حرارة الهواء حول مقدمة الطائرة وحوافها الأمامية إلى أكثر من 1000 درجة مئوية (1832 درجة فهرنهايت)، وهو تحدٍ هائل لطالما واجهته القوات الجوية الأمريكية في محاولاتها لتطوير طائراتها فائقة السرعة.
من صواريخ الأبحاث إلى عبور المحيط الهادئ في ساعتين
من المهم التوضيح أن هذا الاختبار الأولي لا يزال بعيدًا عن تحقيق رحلة تجريبية فعلية لطائرة ركاب. إنه يمثل تحققًا أرضيًا لنموذج مصغر. ومع ذلك، فإن الخطوات التالية واضحة وطموحة.
تخطط وكالة JAXA لتركيب المركبة التجريبية على صاروخ سبر (وهو صاروخ دون مداري يُستخدم عادة لإجراء القياسات والتجارب العلمية في الفضاء) ومحاولة الطيران الفعلي بسرعة 5 ماخ. وبافتراض تحقيق النجاح في هذه المرحلة والقدرة على تجاوز العقبات التنظيمية والفنية المعقدة، فإن الهدف النهائي هو إطلاق خدمة ركاب تجارية فائقة السرعة بحلول أربعينيات القرن الحادي والعشرين.
هذه الإنجازات تمثل قفزة نوعية في عالم الطيران، وتعد بمستقبل تتغير فيه مفاهيم السفر الجوي، ليصبح العالم أجمع أقرب من أي وقت مضى.