في خطوة استراتيجية تعد الأبرز في القطاع المصرفي المصري مؤخرًا، أعلن بنك HSBC مصر، الذراع المحلي للعملاق المصرفي البريطاني، عن بيع كامل أعماله المصرفية للأفراد إلى بنك الإمارات دبي الوطني مصر. هذه الصفقة، التي تأتي بعد 44 عامًا من حضور HSBC في السوق المصرية، لا تمثل مجرد تغيير ملكية، بل تعكس تحولًا أعمق في استراتيجيات البنوك العالمية.
صفقة تاريخية تهز القطاع المصرفي المصري
شهدت الأشهر الماضية تكهنات واسعة حول مستقبل قطاع التجزئة ببنك HSBC مصر، الذي وضعه البنك تحت مراجعة استراتيجية في أكتوبر 2025. وبعد منافسة بين عدد من البنوك الكبرى، تحولت التكهنات إلى اتفاق نهائي يغطي كافة أصول وخصوم أعمال التجزئة المصرفية لبنك HSBC مصر. وعلى الرغم من عدم الكشف عن الشروط المالية التفصيلية، إلا أن مجموعة HSBC تتوقع تحقيق ربح قبل خصم الضرائب يبلغ حوالي 300 مليون دولار من هذه الصفقة.
ما وراء الصفقة: تحول استراتيجي عالمي
يمكن فهم هذه الخطوة ضمن استراتيجية HSBC العالمية التي تركز على التخلي عن خدمة عملاء الحسابات الجارية العاديين في العديد من البلدان، والتحول بدلاً من ذلك إلى التركيز على الشركات متعددة الجنسيات، وتمويل التجارة، والخدمات المصرفية الاستثمارية، والعملاء الأثرياء الذين يعملون عبر الحدود. مصر هي المحطة الأحدث في هذه الرحلة، حيث سبق لبنك HSBC أن قلص أو خرج من عمليات التجزئة في عدة دول، منها:
- كندا
- فرنسا
- جنوب أفريقيا
- سريلانكا
- أستراليا
- الأرجنتين
- البحرين
- بنغلاديش
حجم قطاع التجزئة لبنك HSBC مصر
لا تقتصر هذه الخطوة على إغلاق قسم صغير، بل تشمل قطاعًا راسخًا. فقد دخل بنك HSBC مصر السوق عام 1982 تحت اسم بنك هونج كونج مصر، وبنى شبكة واسعة من الفروع بلغت 43 فرعًا وحوالي 1518 موظفًا بنهاية الربع الأول من عام 2026. وحتى تقرير الربع الأول لعام 2026، أظهر البنك إنفاقًا كبيرًا على الأصول الثابتة، بما في ذلك الأراضي والمباني، وتحسينات العقود الإيجارية، والآلات والمعدات، بما في ذلك أجهزة الصراف الآلي وأنظمة البنوك الأساسية. ومع ذلك، تراجع إنفاقه على الفروع قيد الإنشاء، مما أشار إلى توجه نحو تقليص أو استكمال مشاريع الفروع في ظل المراجعة الاستراتيجية لأعمال التجزئة.
لماذا تسعى الإمارات دبي الوطني لهذه الصفقة؟
بالنسبة لبنك الإمارات دبي الوطني مصر، تمثل هذه الصفقة فرصة ذهبية للحصول على قاعدة عملاء ضخمة، وودائع، وبطاقات، وقروض عقارية، وعلاقات مصرفية كان سيستغرق سنوات عديدة لبنائها عضويًا. إنها طريقة سريعة وفعالة لتوسيع حصته السوقية وتعزيز مكانته في القطاع المصرفي المصري.
الصورة الأوسع: مستقبل الخدمات المصرفية العالمية
إن القصة الحقيقية هنا ليست فقط خروج HSBC من قطاع التجزئة المصري، بل هي انعكاس لتوجه عالمي حيث تقرر البنوك الكبرى، وخاصة تلك التي تركز على إدارة الثروات، أن الخدمات المصرفية للأفراد ذات الانتشار الواسع لم تعد تحقق أفضل العوائد لها. بدلاً من ذلك، تفضل هذه البنوك التركيز على خدمة الشركات الكبرى والعملاء الأثرياء الذين يديرون أموالهم عبر الحدود، مما يمكنها من تحقيق أرباح أعلى بتركيز أقل على العملاء الأفراد. هذه الصفقة تؤكد أن HSBC مصر يتخذ قرارًا تشغيليًا رئيسيًا لخدمة عدد أقل من العملاء مباشرة، وتحقيق المزيد من الأرباح من خلال خدمة الشركات والعملاء الأثرياء الذين ينقلون الأموال حول العالم.