بعد مرور أكثر من عقدين على اعتزاله، لا يزال بييرلويجي كولينا هو الحكم الوحيد الذي يمكن لمعظم الناس حول العالم تمييزه فورًا. اليوم، يتولى كولينا رئاسة لجنة الحكام في الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، ويشرف على أكبر حدث رياضي عالمي. عند لقائنا به في مقر الفيفا بميامي، الذي يضم مركز القيادة التقنية للبطولة، بدت ابتسامة هادئة محل نظراته الشهيرة الصارمة.
تأتي هذه المقابلة قبيل المباراة النهائية لكأس العالم، مما يوفر فرصة مثالية لإلقاء نظرة متعمقة على الدور المتزايد للتكنولوجيا في بطولات كرة القدم. بالنسبة للكثير من المشجعين، يُنظر إلى هذه البطولة على أنها الأكثر إثارة للجدل من حيث الإدارة التحكيمية، وهو ادعاء كبير بالنظر إلى أحداث تاريخية مثل يد الإله، وطرد ديفيد بيكهام عام 1998، والهدف الشبح لفرانك لامبارد عام 2010. فما هو رأي الحكم الذي فاز بجائزة الأفضل في العالم ست مرات متتالية في تقنية VAR، وهل هناك حدود لما يمكن للتكنولوجيا حله؟
تقنية VAR: بين الجدل وواقع الملعب
يرى كولينا أن إضافة التكنولوجيا الجديدة والكاميرات المحسّنة المتصلة بأجهزة لينوفو كانت حاسمة في هذه البطولة. فعندما تقع حادثة مثيرة للجدل، يكون أول من يطلب تفسيرًا هو رئيس الفيفا نفسه، جياني إنفانتينو. يوضح كولينا طريقة عملهم قائلًا: يكون أمامي العديد من أجهزة التلفاز المتصلة التي نستمع من خلالها للجميع، فنقوم بالتقاط اللقطات لتوضيح الموقف لإنفانتينو فورًا.
وبخصوص الانتقاد بأن تقنية VAR تقتل متعة الاحتفال بالأهداف، فإن كولينا لا يوافقه الرأي. يؤكد أن اللاعب يتفاعل ويحتفل بالهدف فورًا، ثم تأتي لحظة ترقب ومراجعة. وعندما يتم تأكيد الهدف، يكون هناك احتفال ثانٍ، وبذلك تتضاعف العاطفة ولا تقل. يفضل كولينا دائمًا القرار الصحيح، حتى لو جاء متأخرًا قليلًا، على قرار قد يُناقش لأسابيع أو أشهر أو حتى سنوات، مستشهدًا بالجدل الدائر حتى الآن حول هدف نهائي كأس العالم 1966 بين إنجلترا وألمانيا.
تطور تقنية VAR: من خط المرمى إلى التسلل شبه الآلي
يشير كولينا إلى أن عصر ما قبل تقنية VAR كان الحكم هو الوحيد في الملعب الذي لا يتمتع بفرصة مراجعة الأحداث، بينما كان بإمكان الجميع مشاهدة الإعادات. يرى أنه كان هناك خياران: إما تحويل كرة القدم إلى منطقة محمية خالية من التكنولوجيا، وهو أمر مستحيل، أو منح الحكام نفس الأدوات التي يمتلكها الآخرون.
بدأت الثورة التقنية في كرة القدم بتقنية خط المرمى في بطولة 2014 بالبرازيل، لأن العين البشرية لا تستطيع تحديد ما إذا كانت الكرة قد تجاوزت الخط أم لا بدقة. وعلى الرغم من إشادة الجماهير بهذه التقنية، إلا أنهم أظهروا استياءً من قرارات التسلل المماثلة في الدقة. وخلص كولينا إلى أن المشكلة تكمن في عدم ثقة البشر بالبشر، ولهذا بدأ الفيفا العمل على نظام أكثر آلية.
نتج عن ذلك نظام التسلل شبه الآلي الذي يستخدم خطوطًا افتراضية متطورة وجدارًا ثلاثي الأبعاد من الصور الرمزية للاعبين، بهدف زيادة ثقة المشجعين بالقرار عندما يتعلق الأمر باللاعبين الذين يعرفونهم.
الابتكار التقني في قلب الملعب: لينوفو وVAR
تتولى شركة لينوفو، الشريك التكنولوجي الرسمي للفيفا، مسؤولية هذه الصور الرمزية، بعد أن قامت بمسح ليزري لأكثر من 1200 لاعب. كما يتم تشغيل تقنية VAR نفسها بواسطة أنظمة Hawk-Eye Innovations على محطات عمل Lenovo ThinkStation.
وتدعم تقنية الذكاء الاصطناعي من لينوفو أيضًا خاصية Referee View، وهي تغذية مستقرة لكاميرا تُثبت على جسم الحكم، مستوحاة من سباقات الفورمولا 1، لتقليل اهتزاز الكاميرا بنسبة تصل إلى 60 بالمائة. يعترف كولينا بالتحديات المتعلقة ببيئة العمل، مشيرًا إلى أن كل جرام يهم عندما يتعين عليك الركض لمدة 90 دقيقة في الملعب. ومع أن النسخة الحالية التي تُثبت على الرأس تجعل الحكام يبدون كـ Robocop، إلا أنها تتفوق على البديل الذي يثبت على الصدر، والذي كان سيمثل مشكلة إضافية في درجات الحرارة المرتفعة.
حدود التكنولوجيا: متى تبقى اللمسة البشرية ضرورية؟
في عام 2002، كان كولينا يستعد لنهائي كأس العالم بمشاهدة شريط VHS ذهابًا وإيابًا ليوم كامل. أما اليوم، فيقوم محللوه بإعداد الحكام باستخدام نظام Football AI Pro، وهو نتاج تعاون بين لينوفو والفيفا، حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بمعالجة أكثر من 2000 مقياس لكل مباراة لجميع الفرق المشاركة. يعبر كولينا عن دهشته من فعالية النظام، قائلًا: أنا مستخدم، لذا أنا من تفاجأ. إنه يعمل بشكل جيد للغاية.
ومع ذلك، هناك بعض الأمور التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي حلها. يروي كولينا قصة دفاعه عن حكم برازيلي سخر منه بسبب إعلانه باللغة الإنجليزية في المباراة الافتتاحية للبطولة. وقد نصحه شخصيًا قبل المباراة قائلًا: كنت أتحدث هذا الصباح مع الحكم الذي سيحكم مباراة البرازيل والنرويج. إنه أمريكي، ومن المفارقات أنني أخبرته أنه إذا كان عليك إصدار إعلان، فيرجى التحدث باللغة الإنجليزية، وليس بلكنة تكساس.
يقر كولينا بأن التكنولوجيا لا تزال لها حدودها. فكرة القدم رياضة تواصل، ولا توجد تكنولوجيا يمكنها تقييم أمور مثل الدفع أو السحب. المفهوم الخاطئ هو أننا نمتلك التكنولوجيا، ويمكننا تقديم إجابة لكل شيء. وتبقى تلك الأحكام البشرية هي العنصر الأساسي في هذه اللعبة الجميلة.