في عالم يتسارع فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، تبرز مفاهيم جديدة تثير القلق حول تأثير هذه التقنيات على تطوير المهارات البشرية. فبينما يصف مصطلح فقدان المهارات ما يحدث عندما يتوقف الخبير عن ممارسة مهنته فيتراجع أداؤه، يظهر مصطلح آخر أكثر إثارة للقلق وهو عدم اكتساب المهارات مطلقًا. يشير هذا المصطلح إلى ظاهرة عدم تمكّن المبتدئ من إتقان الأساسيات في المقام الأول، وهي مشكلة أعمق قد تؤثر على الشركات التي تسعى لتوظيف الكفاءات الجديدة.
الدراسة المحورية: الذكاء الاصطناعي وتعلم البرمجة
تأتي أقوى الأدلة على هذه الظاهرة من تجربة عشوائية محكومة أجراها باحثون أنثروبولوجيون، نُشرت في يناير. قام الباحثون بتوظيف 52 مهندس برمجيات مبتدئًا، وقسموهم إلى مجموعتين: إحداهما استخدمت مساعدًا للذكاء الاصطناعي، والأخرى اعتمدت على الترميز اليدوي. طُلب من جميع المشاركين تعلم مكتبة بايثون Trio، والتي لم يكن أي منهم على دراية بها مسبقًا، ثم تم اختبارهم على المفاهيم التي استخدموها.
نتائج مقلقة
كانت النتائج واضحة ومثيرة للتساؤل. بلغ متوسط أداء المجموعة التي استخدمت الذكاء الاصطناعي 50% فقط، بينما حققت مجموعة الترميز اليدوي متوسط 67%. وتُشير شركة أنثروبيك إلى أن هذه الفجوة تعادل ما يقرب من درجتين حرفيتين، وكانت ذات دلالة إحصائية كبيرة. وما زاد الطين بلة هو أن ميزة السرعة المتوقعة من استخدام المساعد لم تتحقق بشكل فعلي؛ فقد أنهت مجموعة الذكاء الاصطناعي المهام أسرع بدقيقتين فقط، وهو فارق غير ذي أهمية إحصائية، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن العديد من المشاركين قضوا ما يصل إلى 11 دقيقة في صياغة الاستفسارات.
الأمر الأكثر خطورة هو الفرق في قدرات تصحيح الأخطاء. لقد تعلمت مجموعة الذكاء الاصطناعي أقل، ولم تنجز المهام بشكل أسرع، وكانت أسوأ بكثير في المهمة الأكثر أهمية عندما يخطئ الجهاز: تصحيح الأخطاء. ففي حين ارتكبت المجموعة اليدوية أخطاء واضطرت إلى حلها، وهو ما يمثل جوهر عملية التعلم لاكتشاف الأخطاء وتصحيحها، فإن مجموعة الذكاء الاصطناعي لم ترتكب أخطاء، وبالتالي لم تكتسب خبرة كافية في هذا الجانب الحاسم.
مخاوف مماثلة في قطاع الطب
لا تقتصر هذه المخاوف على قطاع التكنولوجيا وحده، بل تمتد إلى مجالات أخرى مثل الطب. فقد نشرت دراسة في مايو، قادها باحثون من كلية الطب بجامعة ديوك-NUS بالتعاون مع جامعات مرموقة، وجهة نظر حول المتدربين الطبيين الذين قد يعتمدون بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي خلال سنواتهم السريرية التكوينية. وتخشى هذه الدراسة أن يؤدي ذلك إلى عدم بناء التفكير النقدي والمنطق السريري اللازمين للممارسة الطبية الآمنة والمستقلة.
تضيف الدراسة فئة ثالثة إلى جانب فقدان وعدم اكتساب المهارات، وهي سوء اكتساب المهارات، حيث يقبل المتدرب خطأ الذكاء الاصطناعي دون تمحيص ويصنفه على أنه حقيقة.
على الرغم من غياب الأدلة المباشرة من التدريب الطبي، فإن الحجة تستند إلى نظرية التعلم والإشارات المبكرة من البيئات غير السريرية. ويُلخص الباحثون وصفة لمواجهة هذه التحديات في إطار من ثلاث مراحل:
- بناء الكفاءة الأساسية دون الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في البداية.
- تعليم الأفراد كيفية معايرة شكوكهم والتفكير النقدي في المعلومات.
- تقديم أدوات الذكاء الاصطناعي تحت إشراف دقيق ومدروس.
أهمية طريقة الاستخدام
يُظهر البحث أن كيفية استخدام الأداة أكثر أهمية من مجرد استخدامها. ففي التجربة، طرح المشاركون ذوو النتائج العالية أسئلة مفاهيمية أو طلبوا توضيحات حول الكود، بينما قام أصحاب الدرجات المنخفضة بتفويض المهام بالجملة لمساعد الذكاء الاصطناعي، أو اعتمدوا عليه لتصحيح الأخطاء نيابة عنهم.
تداعيات صناعية وتكاليف باهظة
تُترجم هذه المخاوف بالفعل إلى تداعيات ملموسة في سوق العمل. تتوقع شركة غارتنر أن يؤدي ضمور التفكير النقدي إلى دفع نصف المؤسسات العالمية إلى المطالبة بتقييمات للمهارات خالية من الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2026، في إشارة إلى تزايد عدم ثقة مديري التوظيف في المحافظ التي تُعرض عليهم.
في مثال آخر، اضطرت شركة فورد إلى إعادة توظيف 350 مهندسًا لإصلاح الأخطاء التي ارتكبتها أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها. يُعد هذا الموقف عرضًا مكلفًا لما يحدث عندما لا يكون الأشخاص القادرون على اكتشاف الأخطاء جزءًا من القوى العاملة الأساسية.
قيود البحث والدروس المستفادة
يُقرّ مؤلفو الدراسة بوجود قيود حقيقية على بحثهم، مثل حجم العينة الصغير، وقياس الفهم الفوري وليس على المدى الطويل، واستخدام مساعد شريطي جانبي بدلًا من مبرمج وكيل. ومع ذلك، يتوقع الباحثون أن يكون تأثير هذه العوامل أكثر وضوحًا، لا أقل، في سياقات أوسع.
من الجدير بالذكر أن الشركة التي أجرت الدراسة، أنثروبيك، هي بائع للمساعدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ورغم ذلك، فقد نشرت ورقة بحثية تجادل بأن الاستخدام اللامبالي للمساعد يمكن أن يضر بقدراتك الوظيفية. يمكن اعتبار هذا إما صراحة غير عادية أو تمهيدًا لأنماط تعلم جديدة، وقد يكون كلا التفسيرين صحيحين.
ما لا يقوله البحث هو أنه يجب على المبتدئين البرمجة يدويًا بشكل حصري. بل يقول بوضوح أن الطريق المختصر واكتساب المهارة ليسا نفس الطريق، وأن الصناعة قضت عامين كاملين على افتراض أنهما كذلك. إن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد التوازن الصحيح بين الاستفادة من قوة الذكاء الاصطناعي وضمان تطوير المهارات البشرية الأساسية.