لم تعد أسواق المال في لندن ونيويورك وطوكيو وحدها التي تحدد مسار أسهم التكنولوجيا العالمية. ففي تحول لافت، باتت كوريا الجنوبية، بقيمتها السوقية التي تبلغ 4 تريليون دولار، تشكل نقطة الانطلاق اليومية لمديري الصناديق حول العالم، مقدمةً قراءة مبكرة حول الرغبة في المخاطرة ضمن قطاع الذكاء الاصطناعي المزدهر.
كوريا الجنوبية: البوصلة الجديدة لأسهم الذكاء الاصطناعي العالمية
باتت التقلبات في أسهم شركات مثل SK Hynix و Samsung تؤثر بشكل مباشر على أسهم الرقائق في جميع أنحاء العالم. يصف هاني رضا، مدير المحفظة في PineBridge Investments، الوضع قائلاً: أصبحنا جميعاً مستثمرين كوريين الآن. وقد دفع هذا التحول كبير استراتيجيي السوق الآسيوية في JPMorgan Asset Management إلى تقديم عرض عن كوريا لفريقه العالمي لأول مرة منذ 14 عاماً.
تؤكد الأرقام هذه الظاهرة، حيث ارتفع الارتباط لمدة 60 يوماً بين مؤشر كوسبي (Kospi) ومؤشر ناسداك 100 (Nasdaq 100) إلى 0.46، وهو ما يقترب من أعلى مستوياته في عامين، ويعادل ثلاثة أضعاف متوسطه لخمس سنوات البالغ 0.16. ويصبح هذا الارتباط أكثر قوة خلال فترات البيع، حيث بلغت حساسية مؤشر ناسداك 100 لمؤشر كوسبي أعلى مستوياتها منذ عام 1990 خلال فترات ضعف السوق الكورية. ومع انضمام SK Hynix إلى نادي الشركات التي تتجاوز قيمتها التريليون دولار وإدراج أسهمها في الولايات المتحدة، توسع نفوذ كوريا ليشمل ساعات التداول في وول ستريت، مما يخلق تتبعاً شبه متواصل على مدار 24 ساعة.
ثمن التأثير: التقلبات والمخاطر
هذا التأثير المتزايد لم يأتِ دون ثمن. فقد أصبح مؤشر كوسبي واحداً من أكثر المؤشرات الرئيسية تقلبًا في العالم، حيث تضخم منتجات الأسهم الفردية ذات الرافعة المالية التقلبات. ومثال على ذلك، أدت عمليات البيع التي شهدها السوق بسبب الشكوك حول الطلب على الذكاء الاصطناعي إلى انخفاض مؤشر كوسبي بنسبة 9% تقريباً، وامتد هذا التأثير إلى وول ستريت، مما أدى إلى انخفاض أسهم SK Hynix الأمريكية بنسبة 9.3%. ورغم أن المؤشر لا يزال مرتفعاً بنسبة 62% هذا العام، إلا أنه تراجع بنسبة 25% من ذروته في يونيو، أي ما يعادل خسارة تريليون دولار. وقد دفعت هذه التقلبات كوريا الجنوبية إلى تعليق الإدراجات الجديدة لصناديق الاستثمار المتداولة ذات الرفع المالي الفردي للحد من المضاربة.
الاستثمار الضخم وهيمنة السوق
يُعزى هذا النفوذ الكبير إلى استراتيجية كوريا الجنوبية الطموحة، حيث خصصت 880 مليار دولار على مدى عقد من الزمان لتطوير قطاعات الرقائق ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والروبوتات. وتتحكم شركتا Samsung و SK Hynix في غالبية إمدادات شرائح الذاكرة العالمية، مما يضعهما في موقع حاسم ضمن سلسلة التوريد التكنولوجية. وطالما استمر عنق الزجاجة في العرض، فإن التداول القائم على المعنويات في كوريا سيستمر في تحديد نغمة كل سهم من أسهم الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد عليه السوق العالمي.
يُشير هذا الوضع إلى الوضع الطبيعي الجديد الذي يجب على المستثمرين قبوله طالما استمر صعود الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يطرح هذا التغير تساؤلاً مهماً: هل ينبغي لسوق سيول، الذي تحركه جزئياً نفوذ المستثمرين الأفراد، أن يكون هو السوق الذي يملي على لندن ونيويورك ما يجب أن تفكر فيه بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي؟ إنها دينامية جديدة تتطلب فهماً عميقاً وتكيفاً مستمراً من جميع الأطراف المعنية في عالم التكنولوجيا والمال.