في عالم رقمي متزايد التعقيد، يتصاعد خطر الاحتيال السيبراني ليصبح تحدياً عالمياً يهدد الأفراد والمؤسسات المالية على حد سواء. كشفت وزارة الخزانة الأمريكية مؤخراً عن حجم هائل من الخسائر، مما يدفعها للمطالبة بإصلاحات جذرية في كيفية الإبلاغ عن هذه الجرائم.
تطالب شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية (FinCEN) التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية المؤسسات المالية بتحسين تقاريرها عن الأنشطة المشبوهة، خاصة تلك المتعلقة بمراكز الاحتيال، وذلك باستخدام كلمة مفتاحية جديدة مخصصة لهذا الغرض.
أفادت FinCEN أنها رصدت تحركات مالية عبر 33,904 إيداعات مختلفة، لكنها حذرت من أن التقديرات الفعلية للخسائر قد تختلف بسبب احتمالية تضاعف حساب المعاملات. من المثير للقلق أن 1300 مؤسسة فقط قدمت بلاغات، وكان 10,082 بلاغاً منها (29.7%) يتركز حول استغلال كبار السن من قبل المحتالين.
خسائر بمليارات الدولارات ونداء للشفافية
أصدرت شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية (FinCEN) تحذيرات وتحليلات بيانات للبنوك والاتحادات الائتمانية ومنصات تداول الأصول الرقمية وشركات الأوراق المالية، مطالبة إياها بتقديم تقارير أكثر دقة حول مراكز الاحتيال الخارجية التي تستهدف المواطنين الأمريكيين على نطاق واسع.
قدرت FinCEN إجمالي الخسائر، بناءً على آليتها للإبلاغ، بحوالي 12.7 مليار دولار أمريكي تتعلق بعمليات احتيال استثمار الأصول الرقمية المشتبه بها، وذلك في الفترة ما بين سبتمبر 2023 ونهاية عام 2025.
جاء هذا الرقم من تجميع القيم الدولارية لـ 33,904 ملفات ضمن قانون السرية المصرفية تشير إلى التحذير الصادر في عام 2023 بخصوص احتيال “ذبح الخنازير” (Pig Butchering). وقد تكون هذه التقديرات مبالغاً فيها، حيث تشمل المعاملات المجربة والناجحة، بالإضافة إلى التقارير الواردة والصادرة، والتي غالباً ما تتداخل لنفس المعاملات.
FinCEN تفرض متطلبات جديدة: كلمة مفتاحية وتفاصيل دقيقة
دفع هذا جين لانج، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، إلى وصف هذه العمليات الاحتيالية بأنها أحد أهم تهديدات الاحتيال التي تواجه الأمريكيين اليوم.
وقد أدت هذه التطورات أيضاً إلى استحداث كلمة مفتاحية جديدة لتقارير الأنشطة المشبوهة هي: FIN-2026-SCAMCENTERS، ومن المتوقع أن تستخدمها المؤسسات للإشارة إلى تورط محتمل لمركز احتيال.
كما تطالب FinCEN بتضمين تفاصيل دقيقة مثل سجلات الدردشة، أرقام هواتف المحتالين، معرفات وسائل التواصل الاجتماعي، عناوين المحافظ الرقمية، تجزئة المعاملات (transaction hashes)، وعناوين URL التي يُطلب من الضحايا الإيداع فيها. يجب إدراج هذه المعلومات في حقول المؤشرات السيبرانية المنظمة بدلاً من استبعادها.
دعوة المؤسسات لتوفير مزيد من المعلومات لمكافحة الاحتيال
تأتي هذه الخطوة في إطار سعي FinCEN لدفع المؤسسات إلى تقديم المزيد من المعلومات طواعية بموجب قانون الوطنية الأمريكي، بهدف مواجهة مشكلة استخباراتية متزايدة التعقيد. يميل المحتالون إلى توجيه الضحايا عبر عدة مؤسسات مالية بشكل متسلسل، مما يجعل معظم المبلّغين يرون جزءاً واحداً فقط من دورة الاحتيال، ويصعب عليهم تتبع المسار الكامل.
على سبيل المثال، قد تلاحظ بورصة للعملات المشفرة أن عميلاً يشتري عملة USDT ويرسلها خارج المنصة. وفي الوقت نفسه، قد يرى البنك تحويلاً إلى تلك البورصة، وقد تشهد شركة وساطة تصفية حساب تقاعد. في هذه الحالة، لن يمتلك أي من هذه الجهات الصورة الكاملة لما حدث في الأصل أو ما أدى إلى هذه المعاملات.
من خلال دمج المعلومات المرتبطة بشكل صحيح، يصبح من الأسهل بكثير التعرف على عمليات الاحتيال المحتملة. أما بشكل منفصل، يمكن أن تؤدي هذه الحوادث إلى تضخيم عدد التقارير التي غالباً ما تكون غير مترابطة، وقد تفتقر التحقيقات إلى فهم عميق لمصدر الأموال أو وجهتها النهائية.
لقد اعترض برنامج الاستجابة السريعة التابع لـ FinCEN مبلغ 1.8 مليار دولار واستعاد ما يزيد قليلاً عن مليار دولار لصالح 5,790 ضحية أمريكية منذ عام 2015. يمثل هذا استرداداً محدوداً للغاية مقارنة بالأموال الفعلية المعرضة للخطر، ويسلط الضوء على مشكلة أساسية أكبر: غالباً ما تكتشف المؤسسات هذه المخططات بعد ضياع الأموال. إن الإبلاغ الصحيح والشامل قد يحقق نتائج محدودة في مواجهة صناعة احتيال بمليارات الدولارات تتوسع بلا رادع تقريباً.
إن مكافحة الاحتيال السيبراني المتطور تتطلب نهجاً استباقياً وتعاوناً أكبر بين المؤسسات المالية والسلطات التنظيمية. فقط من خلال تبادل المعلومات بشكل فعال ودقيق، يمكننا بناء دفاع قوي قادر على حماية الأفراد والاقتصاد من هذه التهديدات المتزايدة.