شهد قطاع تجارة التجزئة مؤخرًا تحولًا جذريًا مع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كركيزة أساسية للنمو والابتكار. في خطوة تؤكد هذا التوجه، أعلنت شركة Target العملاقة تعيين أول رئيس للذكاء الاصطناعي لديها، مما يضعها في طليعة الشركات التي تتبنى هذه التكنولوجيا لتحقيق ميزة تنافسية. يأتي هذا التعيين ليسلط الضوء على الأهمية المتزايدة للذكاء الاصطناعي في تشكيل مستقبل التسوق.
تعيين تشاندو ناير: خطوة استراتيجية نحو مستقبل الذكاء الاصطناعي
انضمت Target إلى قائمة متزايدة من المؤسسات التي تدرك ضرورة وجود قيادة متخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث أعلنت عن تعيين تشاندو ناير، المدير التنفيذي السابق لدى Lowe’s، كأول نائب أول للرئيس ورئيس للذكاء الاصطناعي، على أن يبدأ مهامه في 24 أغسطس. يمتلك ناير خبرة واسعة في هذا المجال، حيث شغل سابقًا منصب نائب الرئيس الأول للمتاجر والبيانات والذكاء الاصطناعي والابتكار في Lowe’s، وسبق له العمل في Staples وGap.
يهدف ناير في منصبه الجديد إلى تبني نهج منسق وشامل لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي داخل Target. وسيركز على مجالات حيوية مثل إدارة المخزون، وتسريع عمليات اتخاذ القرار، وتبسيط تجربة التسوق للعملاء، وتزويد أعضاء الفريق بأدوات أفضل، بالإضافة إلى تسريع طرح الأفكار الجديدة في السوق. ويؤكد ناير أن أهم قصص نجاح الذكاء الاصطناعي لن تكون تلك التي تحدث في المختبرات، بل تلك التي تنعكس على الخطوط الأمامية للمتاجر وتؤثر بشكل مباشر وإيجابي على العمليات اليومية والعملاء.
تزايد دور رئيس الذكاء الاصطناعي: مؤشر على التحول
لم تعد Target بمفردها في هذا المسار. فوفقًا لأبحاث معهد IBM لقيمة الأعمال، ارتفعت نسبة المنظمات التي لديها رئيس للذكاء الاصطناعي إلى 76% في عام 2026، مقارنة بـ 26% فقط قبل عام واحد. هذه الإحصائيات تبرز التحول السريع في بيئة الأعمال وتؤكد أن هذا الدور أصبح شبه قياسي. والأهم من ذلك، أن الشركات التي تبنت هذا المنصب أبلغت عن عوائد أعلى بنسبة 5% على إنفاقها في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يدل على القيمة الاستراتيجية المضافة لهذه القيادة المتخصصة.
يعد منصب رئيس الذكاء الاصطناعي أحد الأدوار الوظيفية الجديدة التي ولدها التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، ويعكس الحاجة الملحة إلى توجيه استراتيجيات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف أقسام الشركة لضمان التكامل والفعالية. هذا التوجه يسلط الضوء على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تكنولوجية، بل أصبح محركًا أساسيًا للنمو يتطلب قيادة متخصصة.
سباق التجزئة نحو التميز بالذكاء الاصطناعي
تأتي هذه الخطوة في الوقت الذي تسعى فيه Target لاستعادة ثقة المتسوقين والمستثمرين. وقد استثمرت الشركة بالفعل في الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما في ذلك أداة Target Trend Brain التي تتنبأ بالأنماط والألوان والمواد التي سيبحث عنها العملاء. وفي موسم الأعياد الماضي، أطلقت الشركة ميزة محادثة لمساعدة المتسوقين في اختيار الهدايا، مما يعزز تجربة العملاء.
لا تقتصر هذه التحركات على Target فقط، فالمنافسون يسلكون مسارات مماثلة. قامت Walmart بنشر أدوات ووكلاء الذكاء الاصطناعي عبر متاجرها وسلاسل الإمداد الخاصة بها. أبرمت Gap شراكة مع Gemini من Google هذا العام، ولدى Best Buy اتفاقيات مع كل من OpenAI وGoogle. هذه الشراكات والاستثمارات تعكس الالتزام الواسع النطاق بدمج الذكاء الاصطناعي في صميم عمليات التجزئة.
التجارة القائمة على الوكلاء والتحول الجذري للتسوق
لقد وصل ضغط تبني الذكاء الاصطناعي إلى أعلى المستويات الإدارية. وقد صرح دوغلاس ماكميلون، الرئيس التنفيذي السابق لشركة Walmart، في ديسمبر بأنه سلم القيادة لشخص ‘أسرع’ يمكنه استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع الأعمال، ليتولى جون فيرنر هذا الدور في فبراير. هذا يشير إلى قناعة عميقة بأن التجارة القائمة على الوكلاء (Agentic Commerce) ستحول الإنترنت وتغير طريقة التسوق بشكل جذري.
هذا التحول قد قطع شوطًا أبعد في مناطق أخرى من العالم. ففي الصين، تقوم عمالقة التكنولوجيا مثل Alibaba وMeituan وJD.com بالفعل بنشر وكلاء التسوق على نطاق واسع، حيث تحل هذه الوكلاء محل شريط البحث التقليدي وتقدم تجربة تسوق أكثر ذكاءً وتفاعلية للمستخدمين.
إن تعيين Target لأول رئيس للذكاء الاصطناعي لديها ليس مجرد خبر إداري، بل هو إشارة واضحة إلى أن مستقبل تجارة التجزئة متشابك بشكل عميق مع قدرتها على تسخير قوة الذكاء الاصطناعي. من إدارة المخزون إلى تعزيز تجربة العملاء وتحويل نماذج الأعمال بأكملها، يستعد الذكاء الاصطناعي لإعادة تعريف كل جانب من جوانب قطاع التجزئة، والشركات التي تتبنى هذه الثورة القيادية والاستراتيجية هي التي ستقود الطريق نحو الغد.