في مفارقة تجمع بين التقدم التكنولوجي وتحديات السوق، تظهر بيانات حديثة أن بطاريات السيارات الكهربائية الحديثة تتمتع بعمر افتراضي أطول بكثير مما يتخيله الكثيرون. فبينما تحافظ هذه البطاريات على ما يصل إلى 95% من مداها الأصلي بعد خمس سنوات من الاستخدام، تشهد مبيعات السيارات الكهربائية الجديدة في الولايات المتحدة انخفاضاً ملحوظاً، مما يشير إلى فجوة بين الواقع التقني والتصورات السائدة.
حقائق مدهشة: بطاريات تدوم طويلاً
تُظهر تحليلات معمقة أجرتها شركة Recurrent، المتخصصة في بيانات المركبات الكهربائية، أن السيارات الكهربائية الحديثة تحتفظ بمتوسط 97% من مداها الأصلي بعد ثلاث سنوات، وترتفع النسبة قليلاً إلى 95% بعد خمس سنوات. هذا يعني أن سيارة طراز 2026 بمدى تقديري يبلغ 325 ميلاً، ستحافظ على حوالي 309 أميال بعد نصف عقد من القيادة. والأكثر إثارة للدهشة، أن دراسة منفصلة لـ Recurrent وجدت أن معدل استبدال البطاريات للمركبات الكهربائية المصنعة اعتباراً من عام 2022 فصاعداً لا يتجاوز ثلاث مركبات فقط من كل ألف.
تؤكد دراسة أخرى من شركة Geotab لبيانات المركبات، والتي شملت أكثر من 22,700 مركبة، هذه النتائج، مشيرة إلى أن متوسط معدل التدهور السنوي للبطارية يزيد قليلاً عن اثنين بالمائة. ويعزو فيت نغوين تيان، الباحث في مجال السيارات الكهربائية في كلية لندن للاقتصاد، هذه التحسينات إلى التقدم الكبير في كيمياء البطاريات، وأنظمة التنظيم الحراري، وإدارة البطارية، مما جعل بطاريات اليوم أكثر متانة بكثير من تلك التي ظهرت في الجيل الأول من السيارات مثل نيسان ليف، التي واجهت انتقادات بسبب تدهورها السريع بعد إطلاقها في عام 2010. ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة؛ فقد أشار 56% من المشاركين في استطلاع AAA لعام 2026، والذين كانوا مترددين في شراء سيارة كهربائية، إلى التكلفة العالية لإصلاح البطارية أو استبدالها كأكبر مصدر قلق لديهم.
تراجع المبيعات: أرقام مقلقة وسوق متناقض
على الرغم من البيانات المشجعة حول عمر بطاريات السيارات الكهربائية، فإنها لم تترجم بعد إلى زيادة في المبيعات. تقدر شركة Cox Automotive أن الأمريكيين اشتروا حوالي 75,000 سيارة كهربائية جديدة في يونيو، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 28% تقريباً عن العام السابق، مما خفض حصة السيارات الكهربائية إلى ما يزيد قليلاً عن 5% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة خلال الشهر. ووجد استطلاع أجرته شركة ديلويت في وقت سابق من هذا العام أن 7% فقط من الأمريكيين يرغبون في أن تكون سيارتهم القادمة كهربائية.
تُظهر الأرقام أن سوق السيارات الكهربائية الجديدة في الولايات المتحدة يواجه تحديات، ولكن الصورة تختلف تماماً في سوق السيارات الكهربائية المستعملة. فقد شهدت مبيعات السيارات الكهربائية المستعملة ارتفاعاً بأكثر من 20% في يونيو مقارنة بالعام السابق، وفقاً لـ Cox Automotive، مما يشير إلى اهتمام المستهلكين بالمركبات الكهربائية عندما تكون الحوافز السعرية مواتية.
العوائق السياسية والاقتصادية: ثمن التردد
يمكن تفسير هذا الانخفاض في مبيعات السيارات الكهربائية الجديدة إلى حد كبير بالسياق السياسي والاقتصادي. ففي سبتمبر الماضي، سمحت إدارة ترامب بانتهاء صلاحية الائتمان الضريبي الفيدرالي البالغ 7,500 دولار أمريكي، كما تراجعت عن لوائح الانبعاثات. وقد حذر جيم فارلي، الرئيس التنفيذي لشركة فورد، في ذلك الوقت من أن هذه التحولات قد تخفض الطلب على المركبات الكهربائية إلى النصف. وبالفعل، قامت العديد من شركات صناعة السيارات منذ ذلك الحين بإلغاء أو تعليق إنتاج نماذج سيارات كهربائية مخصصة للسوق الأمريكية. وبينما أفادت إدموندز أن ارتفاع أسعار الوقود بدأ يدفع اهتمام المستهلكين في وقت سابق من هذا العام، فإن هذا التحول لم يكن كافياً لعكس الاتجاه الأوسع.
الفجوة بين الواقع والتصور: تحدي المستقبل
تشكل الفجوة بين القدرات الحقيقية للتكنولوجيا وما يعتقده المستهلكون أنها تستطيع فعله، العقبة الرئيسية أمام سوق السيارات الكهربائية الأمريكية اليوم. فالبطاريات أصبحت تدوم طويلاً، ومعدلات الاستبدال ضئيلة، والسوق المستعملة آخذة في النمو. لكن مبيعات السيارات الجديدة تنخفض بشكل رئيسي لأن السياسة الفيدرالية أزالت الحافز السعري الذي كان يجعل المركبات الكهربائية قادرة على المنافسة مع بدائل الاحتراق الداخلي.
إلى أن تتغير هذه الديناميكيات، تظل الصناعة تبيع منتجاً قد أجاب على أكبر تساؤلاته التقنية، ولكن لسوق إما لم يسمع الإجابة بعد، أو لم يعد لديه السبب المالي الكافي للاهتمام بها. التحدي الآن ليس في التكنولوجيا، بل في السياسات والتوعية التي يمكن أن تعيد الثقة وتدفع عجلة التحول نحو مستقبل أكثر استدامة.