لم تعد أنظمة الإنذار المبكر بالزلازل حكرًا على الدول التي تمتلك شبكات متخصصة من أجهزة الرصد باهظة التكلفة. فمنذ عام 2020، أحدثت جوجل ثورة في هذا المجال من خلال تطوير نظامها للتحذير من الزلازل عبر أندرويد (Android Earthquake Alerts)، الذي يحوّل مليارات هواتف أندرويد الذكية إلى شبكة عالمية قادرة على اكتشاف الزلازل وإرسال تحذيرات مبكرة للمستخدمين خلال ثوانٍ معدودة. يُعد هذا النظام إنجازًا تقنيًا بارزًا في مجال السلامة العامة، إذ يعتمد على المستشعرات المدمجة في الأجهزة بدلًا من إنشاء بنية تحتية جديدة ومكلفة.
كيف نشأ نظام أندرويد للتنبيه بالزلازل؟
لعقود طويلة، اعتمدت أنظمة الإنذار المبكر بالزلازل على أجهزة قياس الزلازل (Seismometers) المنتشرة في مواقع محددة. ورغم دقة هذه الأجهزة، إلا أن تكلفتها الباهظة حدّت من انتشارها، فلم تتوفر إلا في عدد محدود من الدول المتقدمة مثل اليابان والولايات المتحدة والمكسيك.
أدركت جوجل الحاجة الملحة لنظام إنذار عالمي، فبدأت تطوير نظامها عام 2015 بهدف توفير تحذيرات مبكرة في المناطق التي تفتقر إلى هذه الشبكات المتخصصة. وفي أغسطس 2020، أعلنت الشركة عن إطلاق نظام Android Earthquake Alerts. بدأ النظام عملياته في ولاية كاليفورنيا الأمريكية بالاعتماد على بيانات شبكة ShakeAlert المحلية، ثم توسع في عام 2021 ليستخدم هواتف أندرويد نفسها كمستشعرات للكشف عن الهزات، قبل أن يصل تدريجيًا إلى عشرات الدول حول العالم.
التقنية وراء اكتشاف الزلازل بواسطة هاتفك
يعتمد نظام جوجل للتنبيه بالزلازل على مستشعر أساسي موجود في جميع هواتف أندرويد تقريبًا: ألا وهو مقياس التسارع (Accelerometer). هذا المستشعر مسؤول عن وظائف يومية مثل تدوير الشاشة وتتبع الحركة، ولكنه قادر أيضًا على اكتشاف أدق الاهتزازات.
عندما يكون الهاتف ثابتًا ويكتشف اهتزازًا يشبه الموجات الزلزالية، يرسل إشارة قصيرة إلى خوادم جوجل. تتضمن هذه الإشارة توقيت الاهتزاز والموقع التقريبي للهاتف، مع التأكيد على عدم إرسال أي بيانات شخصية للمستخدم، مما يضمن الخصوصية.
لا يعتمد النظام على هاتف واحد فقط، بل يجمع إشارات من عشرات أو مئات الهواتف في المنطقة المتأثرة. إذا تطابقت هذه البيانات من عدة أجهزة، تستخدم خوارزميات جوجل المتقدمة هذه المعلومات لتحديد موقع الزلزال وقوته بدقة، ثم تبدأ بإرسال التنبيهات إلى الهواتف الموجودة في المناطق المتوقع تأثرها بالهزة.
لماذا تتلقى التنبيهات قبل شعورك بالزلزال؟
تُنتج الزلازل نوعين رئيسيين من الموجات: الأولى هي موجات P (Primary waves) التي تتحرك بسرعة كبيرة وتسبب اهتزازات محدودة وغير مدمرة غالبًا، وتأتي بعدها موجات S (Secondary waves) وهي أبطأ بكثير ولكنها الأكثر تدميرًا وتسبب الهزة القوية التي نشعر بها.
يستغل نظام أندرويد للتنبيه بالزلازل هذا الفارق الزمني الحاسم. فعندما يكتشف الموجات الأولية (P-waves)، يرسل التحذير الفوري قبل وصول الموجات الأكثر خطورة (S-waves)، مما يمنح المستخدمين بضع ثوانٍ قد تصل إلى أكثر من دقيقة في المناطق البعيدة عن مركز الزلزال، وهي لحظات ثمينة يمكن استغلالها لاتخاذ إجراءات السلامة.
يرسل النظام نوعين من التحذيرات بناءً على شدة الزلزال المتوقعة: النوع الأول هو Be Aware (كن على دراية)، وهو إشعار للزلازل الخفيفة التي قد يشعر بها المستخدم. أما النوع الثاني فهو Take Action (اتخذ إجراء)، وهو تنبيه طارئ للزلازل القوية، يظهر على كامل الشاشة ويصدر صوتًا مرتفعًا مع تعليمات فورية وواضحة للاحتماء.
مزايا فريدة لنظام تنبيهات الزلازل من جوجل
تكمن القوة الحقيقية لنظام Android Earthquake Alerts في اعتماده على الانتشار الهائل لهواتف أندرويد. فبدلًا من الحاجة إلى آلاف أجهزة الرصد التقليدية، يستفيد النظام من أكثر من ملياري هاتف حول العالم، مما يجعله أكبر شبكة لرصد الزلازل تعتمد على الأجهزة الذكية على الإطلاق.
وفقًا لدراسة نشرتها جوجل في عام 2025، يرصد النظام في المتوسط أكثر من 300 زلزال شهريًا، ويرسل نحو 18 مليون تنبيه كل شهر في قرابة 100 دولة. وقد أظهرت الدراسة أن أكثر من ثلث المستخدمين يتلقون التحذير قبل بدء الاهتزاز، وقد يصل التنبيه إلى آخرين في أثناء الهزة الزلزالية أو بعدها بمدة قصيرة، اعتمادًا على مدى بعدهم عن مركز الزلزال.
هل يحل نظام أندرويد محل محطات الرصد التقليدية؟
الإجابة ببساطة هي لا. في الدول التي تمتلك شبكات زلزالية متقدمة، يعتمد نظام جوجل على البيانات الصادرة عن تلك الشبكات الرسمية لإرسال التنبيهات بدقة أعلى. أما في الدول التي تفتقر إلى بنية تحتية مماثلة، فيستخدم النظام شبكة الهواتف الذكية لسد هذه الفجوة وتوفير الخدمة. وبذلك، يعمل نظام Android Earthquake Alerts كنظام مكمل وداعم، وليس بديلًا، لأنظمة الرصد التقليدية.
نظام جوجل تحت الاختبارات الواقعية
أثبت نظام جوجل كفاءته بشكل ملحوظ في عدد من الزلازل خلال العامين الماضيين. على سبيل المثال، في زلزال بحر مرمرة في تركيا، اكتشف النظام الحدث خلال ثوانٍ معدودة وأرسل ملايين التنبيهات إلى المستخدمين، مع وصول بعضها قبل الاهتزاز بوقت كافٍ في المناطق البعيدة عن مركز الزلزال.
كما تعامل النظام بنجاح مع زلزال ضرب فنزويلا خلال عام 2026، حيث أرسل تحذيرات إلى ملايين المستخدمين قبل وصول الموجات الزلزالية، في إحدى أكبر عمليات الإنذار التي نفذها النظام حتى الآن، مما أنقذ أرواحًا ومنح فرصة للاحتماء.
وفي فجر يوم الثالث من أغسطس 2026، تلقى ملايين مستخدمي هواتف أندرويد في مصر تنبيهًا قبل ثوانٍ من شعورهم بالهزة الأرضية، وذلك أيضًا اعتمادًا على النظام نفسه، قبل أن تؤكد السلطات الرسمية لاحقًا وقوع الزلزال بدرجة بلغت قوتها 5.6 درجات على مقياس ريختر. الجدير بالذكر أن هذا التنبيه لم يظهر في هواتف آيفون؛ لأن نظام جوجل مدمج في أندرويد بشكل أساسي، بينما تعتمد هواتف آيفون على أنظمة إنذار مختلفة مرتبطة بخدمات الطوارئ المحلية التي قد لا تكون متاحة في كافة الدول بالطريقة نفسها.
على الرغم من التطور الكبير الذي أحرزه نظام جوجل، ما زال يواجه بعض القيود. فإذا كان المستخدم قريبًا جدًا من مركز الزلزال، فقد تصل الموجات المدمرة قبل إصدار التنبيه. كما يعتمد إرسال التحذيرات على توفر اتصال بالشبكة، وقد تتأثر دقة التقديرات في المناطق ذات الكثافة المنخفضة من الهواتف الذكية. ومع ذلك، تؤكد جوجل أن خوارزميات النظام تتحسن باستمرار مع كل زلزال جديد، لتعزيز دقته وفعاليته حول العالم.