في عالم استكشاف الفضاء المليء بالإنجازات، تبرز بعض المهام كعلامات فارقة ليس فقط بسبب نجاحاتها العلمية، بل لتغلبها على تحديات غير متوقعة. مهمة STS-51F، المعروفة أيضاً باسم
معمل الفضاء 2
، والتي أطلقها مكوك الفضاء تشالنجر عام 1985، هي إحدى هذه المهام. لم تكن مجرد رحلة علمية روتينية، بل كانت قصة صمود وإصرار بدأت بتحدٍ كبير في لحظات الإطلاق الأولى.
خلفية المهمة وأهدافها
كانت مهمة STS-51F الرحلة التاسعة عشرة ضمن برنامج مكوك الفضاء التابع لوكالة ناسا، والثامنة لمكوك تشالنجر. انطلق المكوك من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا بتاريخ 29 يوليو 1985، وهبط بعد ثمانية أيام في 6 أغسطس 1985. كانت الحمولة الأساسية هي وحدة مختبر
معمل الفضاء 2
، وهي جزء من النظام المعياري لـ
معمل الفضاء
الذي يهدف إلى دعم الأدوات المثبتة على المنصات في المدار. شملت أهداف المهمة الرئيسية التحقق من أداء أنظمة
معمل الفضاء
، وتحديد قدرة المركبة المدارية، وقياس البيئة الفضائية. غطت التجارب مجالات متعددة مثل علوم الحياة، فيزياء البلازما، الفلك، الفيزياء الفلكية عالية الطاقة، فيزياء الطاقة الشمسية، فيزياء الغلاف الجوي، وأبحاث التكنولوجيا.
تحدي الإطلاق: الإحباط إلى المدار
شهد إطلاق STS-51F حدثاً فريداً ومثيراً للتوتر في تاريخ برنامج المكوك الفضائي. فبعد 3 دقائق و 31 ثانية من الصعود، فشل أحد مستشعرات درجة حرارة عادم التوربين عالية الضغط للمحرك المركزي. وبعد دقيقتين واثنتي عشرة ثانية، تعطل المستشعر الثاني، مما أدى إلى إيقاف تشغيل المحرك المركزي. كان هذا الفشل هو الوحيد من نوعه على متن محرك RS-25 في برنامج المكوك الفضائي بأكمله. في أعقاب ذلك، اضطر المكوك لتنفيذ إجراء طوارئ يُعرف بـ
الإحباط إلى المدار
(ATO). كانت هذه المهمة هي الوحيدة في تاريخ المكوك التي نفذت هذا الإجراء بعد الإطلاق. ونتيجة لذلك، تم تنفيذ المهمة على ارتفاع مداري أقل قليلاً من المخطط له، لكنها أُعلنت ناجحة في نهاية المطاف.
تجارب علمية وحمولات مبتكرة
نظام تأشير الأجهزة (IPS)
للمرة الأولى، تم اختبار نظام توجيه الأجهزة (IPS) التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA) في المدار. صُممت هذه الأداة الفريدة بدقة فائقة تصل إلى ثانية قوسية واحدة. على الرغم من مواجهة بعض المشاكل الأولية عند محاولة تتبع الشمس، فقد تم إجراء سلسلة من التعديلات البرمجية التي صححت المشكلة، مما أثبت إمكانات النظام.
تلسكوب الأشعة تحت الحمراء (IRT)
حملت المهمة أيضاً تلسكوب الأشعة تحت الحمراء لـ
معمل الفضاء
(IRT)، وهو تلسكوب مبرد بالهيليوم بفتحة 15.2 سم، يراقب الضوء بين أطوال موجية تتراوح من 1.7 إلى 118 ميكرومتر. على الرغم من المخاوف من أن الانبعاثات الحرارية للمكوك قد تفسد بيانات الأطوال الموجية الطويلة، إلا أنه قدم بيانات فلكية قيمة، وراقب 60% من المستوى المجري. كما واجه مشكلة طريفة بقطعة من المايلار العازل تطفو في مجال رؤية التلسكوب.
حزمة تشخيص البلازما (PDP)
عادت حزمة تشخيص البلازما (PDP) إلى الفضاء في هذه المهمة، وكانت جزءاً من مجموعة تجارب فيزياء البلازما المصممة لدراسة الغلاف الأيوني للأرض. تم إطلاقها وتحريرها بواسطة الذراع الروبوتية
كنادارم
لمدة ست ساعات، حيث قام المكوك بمناورات دقيقة حولها في تمرين للعمليات المستهدفة القريبة.
حرب الكولا في الفضاء: تجربة لا تُنسى
إحدى الحمولة التي حظيت بأكبر قدر من الدعاية كانت تجربة
تقييم موزع المشروبات الغازية
. في معركة تسويقية شهيرة عُرفت بـ
حروب الكولا
، تنافست شركتا كوكا كولا وبيبسي لتقديم مشروباتهما الغازية لرواد الفضاء في علب مصممة خصيصاً. رواد الفضاء، مقسمين إلى فرق زرقاء وحمراء، أجروا الاختبارات، ووفقاً لرائد الفضاء لورين أكتون، كان نظام كوكا كولا أكثر تطوراً ويقدم مشروباً أقرب إلى ما يُشرب على الأرض، بينما كانت علبة بيبسي تُخرج مشروباً مليئاً بالفقاعات وغير مستساغ إلى حد كبير. كشف رواد الفضاء لاحقاً أنهم فضلوا مشروب تانغ، خاصة وأنه يمكن مزجه بالماء المبرد المتاح، على عكس علب الكولا التي لم تكن هناك معدات تبريد مخصصة لها، مما أدى إلى فورانها الزائد في بيئة الجاذبية الصغرى.
لمسات فريدة وميراث المهمة
- أول حفريات ديناصور في الفضاء: حمل رائد الفضاء لورين أكتون قشرة بيضة وعظمة ديناصور من نوع ماياصورا (ديناصور هادروصوريد من العصر الطباشيري في أمريكا الشمالية)، لتصبح أول حفريات ديناصور تُحمل إلى الفضاء على الإطلاق.
- تجربة الراديو المكوكية للهواة: أصبح أنتوني دبليو إنجلاند ثاني مشغل راديو هواة يرسل من الفضاء خلال هذه المهمة.
- اختبار المدار للمراقبة بالأشعة تحت الحمراء: أثبتت المهمة أن المركبات المدارية مثل المكوك لديها بعض العيوب لعمليات رصد الأشعة تحت الحمراء، مما مهد الطريق لتطوير تلسكوبات الأشعة تحت الحمراء حرة التحليق في المستقبل.
الخاتمة
على الرغم من التحديات الدرامية التي واجهتها مهمة STS-51F في بدايتها، فقد أثبتت هذه الرحلة قدرة وكالة ناسا وشركائها على التكيف والابتكار. من التجارب العلمية المعقدة إلى اللحظات الثقافية الفريدة مثل
حرب الكولا
، تركت STS-51F بصمة لا تُمحى في تاريخ استكشاف الفضاء، مؤكدة على أن روح الاستكشاف لا تقتصر على تحقيق الأهداف فحسب، بل على التغلب على المستحيل أيضاً.