من فضلك تسجيل الدخول أو تسجيل لتفعل ذلك.

في عالمنا الرقمي المتسارع، أصبحت التقنيات جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية. لكن هل فكرت يوماً في الثمن الذي تدفعه أدمغتنا مقابل هذا التطور؟ عالمة النفس غلوريا مارك، التي كرست ثلاثة عقود لدراسة تفاعل الإنسان مع التكنولوجيا، تؤكد أننا بالفعل نفقد السيطرة على وظائفنا المعرفية، خاصة مع صعود روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ولكن الخبر السار هو أن هناك طرقاً لاستعادة زمام الأمور.

تراجع مدى الانتباه في العصر الرقمي

في بداية مسيرتها المهنية، كانت مخاوف الدكتورة مارك تنصب على الآثار المحتملة لاستخدام الإنترنت والبريد الإلكتروني. قد تبدو هذه المخاوف بسيطة اليوم، لكن الحقيقة هي أنه مع انتشار التكنولوجيا وتجذرها في حياتنا، بدأ مدى انتباهنا يتقلص بشكل ملحوظ.

من خلال مختبراتها الحية، التي تستخدم أجهزة الاستشعار والتتبع لمراقبة انتباه المتطوعين البالغين وحالتهم المزاجية وسلوكهم أثناء استخدام الأجهزة، توصلت مارك إلى نتائج مقلقة. ففي عام 2003، وجدت أن متوسط مدى الانتباه لدى المستخدم العادي كان حوالي دقيقتين ونصف. لكن هذا الرقم تضاءل بشكل كبير:

  • في عام 2012، تقلص مدى الانتباه إلى حوالي 75 ثانية فقط.
  • وفي الفترة بين عامي 2014 و2020، وصل إلى 47 ثانية فقط في المتوسط.

وهذا ليس جيدًا لنا على الإطلاق. تؤكد مارك أن التحويل المتكرر للانتباه أمر مرهق للغاية، وقد أظهرت دراساتها علاقة مباشرة بين سرعة تحويل الانتباه وزيادة مستويات التوتر. هذا التشتيت المستمر لا يجعل إنجاز المهام يستغرق وقتاً أطول فحسب، بل يؤثر أيضاً سلباً على أدائنا ورفاهيتنا العاطفية.

تأثير التقنيات الرقمية على الأطفال والصحة العقلية

إذا كان هذا هو تأثير التكنولوجيا على البالغين، فماذا عن الأطفال؟ في الآونة الأخيرة، صدرت أحكام قضائية ضد شركات مثل ميتا (فيسبوك وإنستغرام) ويوتيوب التابعة لجوجل، حيث طُلب منهم دفع ملايين الدولارات كتعويضات لامرأة اتهمت الشركات بتصميم منتجات أدت إلى إدمانها في الطفولة. كما قامت ميتا بتسوية دعوى قضائية أخرى رفعتها منطقة مدرسية ريفية في كنتاكي، مطالبة بأكثر من 60 مليون دولار لتغطية تكاليف الصحة العقلية لطلابها المتضررين.

لكن الدكتورة مارك تشير إلى أن الصورة ليست دائماً سلبية بالكامل. فوسائل التواصل الاجتماعي ليست سيئة في كل الأوقات، بل يمكن أن توفر فرصاً قيمة لبعض الأشخاص، بمن فيهم المهمشون، لبناء روابط اجتماعية قد تكون صعبة في الواقع. فبعض المراهقين من مجتمع الميم وصفوا وسائل التواصل الاجتماعي بأنها مكان يشعرون فيه بالانتماء، حيث يمكنهم تطوير الصداقات وتنمية هويتهم.

ومع ذلك، لا يمكننا الجزم بتأثيرات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال بشكل قاطع بعد، حيث أن الأدلة غير حاسمة حتى الآن رغم كثرة الدراسات. وتأمل مارك أن تسهم الدراسات الكبيرة وطويلة الأمد، مثل تلك الجارية في أستراليا التي حظرت وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً، في إلقاء المزيد من الضوء على هذا السؤال المعقد.

الذكاء الاصطناعي: الخطر الجديد على وظائفنا المعرفية

بالنظر إلى عدم اليقين المحيط بتقنيات عمرها 20 عاماً، تتساءل مارك عن الآثار المحتملة للذكاء الاصطناعي، وهو أحدث عرض تكنولوجي يبدو أنه تغلغل بعمق في حياتنا الرقمية في غضون عامين فقط. إنها قلقة بالفعل.

توضح مارك أنه عندما نبذل جهداً لعمل شيء ما، مثل تقييم المحتوى أو تلخيصه، فإننا نقوم بما يُعرف بـ ‘عمق المعالجة’. هذا التفاعل النشط مع المعلومات يساعدنا على تعلمها وفهمها والاحتفاظ بها. لكن هذا لا يحدث عندما يستخدم معظم الأشخاص روبوتات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وClaude وGemini. فعندما نطلب من هذه الأدوات الكتابة أو التلخيص أو التقييم نيابة عنا، فإننا ‘نؤجل عملنا المعرفي إلى الذكاء الاصطناعي’، وهو ما تعتبره مارك ليس جيداً لنا.

يكمن الخطر في أن قدراتنا المعرفية ستضعف بمرور الوقت، تماماً كالعضلات التي تضمر إذا لم نقم بتمرينها باستمرار. هذا التدهور في مهارات التفكير النقدي يجعل الأفراد أكثر عرضة للوقوع فريسة للمعلومات المضللة.

الذكاء الاصطناعي والعلاقات الإنسانية: تآكل الذكاء العاطفي

كما أن التفاعلات مع ‘الرفقاء الاصطناعيين’ يمكن أن تكون ضارة بنفس القدر. فالعلاقات البشرية تتطلب جهداً ووقتاً وتفاهماً، وهي أمور لا تحتاجها عند التعامل مع روبوت متملق. ترى مارك أن ‘العضلة’ التي نخاطر بضمورها هنا هي الذكاء العاطفي، الذي تشير الدراسات الاستقصائية بالفعل إلى تراجعه.

إن الصورة التي ترسمها مارك ليست وردية على الإطلاق. فإذا استمررنا على هذا المسار، فإننا سنشهد تضاؤلاً في مدى الانتباه، وتزايداً في الشعور بالوحدة والملل، وتناقصاً في الذكاء العاطفي، وحتى تراجعاً في إحساسنا بالهدف.

كيف نستعيد السيطرة؟ استراتيجيات للتكيف مع العصر الرقمي

لحسن الحظ، تعتقد مارك أن بإمكاننا تصحيح المسار من خلال تغيير علاقتنا مع هذه التقنيات. العامل الرئيسي هو الجهد. كلما بذلنا المزيد من الجهد في شيء ما، زاد الرضا الذي نكتسبه.

  • بذل الجهد في قراءة كتاب كامل بدلاً من الاكتفاء بملخصه.
  • اللقاء بالأصدقاء شخصيًا كلما أمكن ذلك.
  • محاولة عدم استخدام نظام تحديد المواقع (GPS) في الأماكن التي نعرفها أو يمكننا إدارتها بدونه.

تختتم مارك قائلة: ‘أنا أحب التكنولوجيا، ولا يمكننا الاستغناء عنها. لكن علينا أن نتعلم كيفية إنشاء روتين حياة جديد يتناسب مع هذا العصر الرقمي المتطور، مع الحفاظ على قدراتنا المعرفية والعاطفية’.

جوجل تسهل متابعة خدع وسائل التواصل الاجتماعي لشخصياتك المفضلة
لماذا لا تزال الهجمات المستمرة منذ عقود تعمل، ولماذا يجب أن يقلقك ذلك؟

Reactions

0
0
0
0
0
0
بالفعل كان رد فعل لهذا المنصب.

ردود الفعل