شهد قطاع تكنولوجيا الإعلان تطورات مذهلة خلال العقد الماضي، لكن خلف الابتكار المستمر يكمن واقع اقتصادي قاسٍ لبعض الشركات الكبرى. فبينما يرى الكثيرون في تكنولوجيا الإعلان محركاً أساسياً للاقتصاد الرقمي، تتكشف تحديات جوهرية أمام الشركات العاملة في هذا المجال والتي تسعى للتداول علناً في الأسواق العامة. يكشف لنا مصرفي استثماري خبير عن السبب الحقيقي وراء هذه المعضلة، مشيراً إلى أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في الأداء، بل في الحجم.
لماذا تواجه شركات تكنولوجيا الإعلان صعوبة في الأسواق العامة؟
كشف جوش ويبمان، المدير الإداري للخدمات المصرفية الاستثمارية التكنولوجية في Houlihan Lokey، عن وجهة نظر حاسمة خلال مؤتمر ATS لندن. وأوضح ويبمان أن أغلب شركات تكنولوجيا الإعلان المدرجة في الأسواق العامة تتمتع بقيمة سوقية صغيرة جداً، لا تسمح لها بجذب اهتمام المستثمرين الكبار الذين يديرون أموالاً ضخمة.
وعلق ويبمان قائلاً: من الصعب أن تكون شركة بقيمة تتراوح بين ٧ مليارات دولار و ٨٠٠ مليون دولار، أليس كذلك؟ أنت تحاول جذب استثمارات من صناديق استثمار مشتركة أو مؤشرات رئيسية، لكن غالباً ما تكون هذه الشركات صغيرة جداً بحيث لا يمكن للمستثمرين وضع حجم حقيقي من الاستثمار فيها. هذا الحجم الصغير يحول دون تحقيق تقييم عام حقيقي.
الأرقام تتحدث: أداء متذبذب وتحديات النمو
لقد دعمت الأرقام هذه الفرضية بقوة. فقد أظهر أداء سلة أسهم شركات تكنولوجيا الإعلان العامة التي يتتبعها ويبمان، تراجعاً ملحوظاً مقارنة بسلة أسهم قطاع التكنولوجيا الأوسع. واستمرت المضاعفات في الانخفاض حتى عامي ٢٠٢٥ و ٢٠٢٦. ورغم أن نشاط الصفقات وعمليات الدمج والاستحواذ يشهد ارتفاعاً، حيث وصل إلى حوالي ١٤ مليار دولار هذا العام، إلا أن هذه الأموال تتوزع على عدد أقل من الصفقات، مما يعني زيادة حجم متوسط الصفقة الواحدة. ويؤكد ويبمان أن النمو هو التحدي الحقيقي الذي يقف وراء هذه النتائج المتذبذبة.
ولتعزيز هذه الصورة، أشار نيك ماكشين، المؤسس والمدير الإداري الأول في بنك الاستثمار بروغرس بارتنرز، إلى ملاحظة مثيرة. فقد عرضت شركته شريحة توضح أداء أسهم جميع شركات تكنولوجيا الإعلان العامة من الأول من يناير وحتى الآن، حيث بدت الرسوم البيانية أكثر شبهاً باختبار رورشاخ منها بسوق منطقي. فبعض الشركات انخفضت أسهمها بنسبة ٦٠٪، بينما ارتفعت أخرى بنفس النسبة. والمثير للدهشة أن بعض الشركات التي انخفضت العام الماضي بنسبة ٦٠٪ ارتفعت هذا العام بنفس النسبة، بينما تراجعت أسهم أخرى كانت قد سجلت ارتفاعاً بنسبة ٣٠٠٪ العام الماضي بنسبة ٦٠٪ هذا العام. ويختتم ماكشين قائلاً: لا يوجد منطق أو سبب واضح لهذا التذبذب، والاستنتاج الذي يتوصل إليه معظم الناس هو أن هذه الشركات لا ينبغي أن تكون عامة.
هل الحل في العودة للقطاع الخاص؟
قد يتغير هذا الوضع يوماً ما، ويرى ويبمان أن الأمر قابل للتنفيذ لكنه لن يكون سهلاً. إن تغيير السرد من كون الشركة ذات رأس مال صغير يمثل تحدياً كبيراً، وهو ما تشهده مثلاً شركة The Trade Desk. فقد انخفضت أسهمها بأكثر من ٨٠٪ منذ منتصف عام ٢٠٢٥ مع تباطؤ النمو واشتداد المنافسة، لدرجة أنها ستُستبعد من مؤشر S&P 500 في وقت لاحق من هذا الشهر.
ومع ذلك، لا تعني هذه الحقائق أن قطاع تكنولوجيا الإعلان يحتضر. بل على العكس تماماً. يشير ويبمان إلى أن المستحوذين يرون قيمة حقيقية في الشركات التي تتداول بأسعار هي جزء من أعلى مستوياتها خلال خمس سنوات. وتوضح أمثلة عديدة هذا التوجه نحو الملكية الخاصة أو الاستحواذ:
- Criteo: يُشاع أنها تستكشف صفقة خاصة.
- Doubleverify: انتقلت من الأسواق العامة هذا العام.
- LiveRamp: انتقلت من الأسواق العامة هذا العام.
- Integral Ad Science: انتقلت من الأسواق العامة هذا العام.
ولا يقتصر الأمر على شركات الدمج والاستحواذ التقليدية، بل يشمل أيضاً أسماء مؤسسية كبيرة مثل Salesforce وAdobe وServiceNow وWorkday، بالإضافة إلى الوافدين الجدد مثل Databricks وSnowflake وOpenAI الذين لم يتم أخذهم في الاعتبار بشكل كامل بعد في هذا المجال.
إن ما نشهده في قطاع تكنولوجيا الإعلان ليس نهاية المطاف، بل هو إعادة تقييم ضرورية من قبل الأسواق. فالتحول نحو الملكية الخاصة أو الاستحواذ من قبل كيانات أكبر يعكس فهماً أعمق للقيمة الحقيقية في هذا القطاع، وتصحيحاً لمسار الاستثمار ليناسب طبيعة ونمو هذه الشركات. وعلى الرغم من التحديات، فإن الابتكار في تكنولوجيا الإعلان مستمر، والبحث عن البيئة الاستثمارية الأنسب هو ما سيحدد ملامح المستقبل.