في عالم يتسارع فيه الحديث عن الذكاء الاصطناعي، يبرز صوت كوري دكتوراو، الروائي والصحفي التكنولوجي، بمنظور نقدي ثاقب. فبينما يرى الكثيرون في الذكاء الاصطناعي ثورة لا مفر منها، يعرض دكتوراو في كتابه الجديد، دليل القنطور العكسي للحياة بعد الذكاء الاصطناعي، رؤية مختلفة تماماً، محاولاً فصل الضجيج عن الواقع المادي.
فهم ‘الفقاعة’ والمخاطر الكامنة
لا يتورع دكتوراو عن التعبير عن انزعاجه من الضجيج الهائل المحيط بالذكاء الاصطناعي، والنفقات الرأسمالية الضخمة، والتوقعات غير الواقعية. هو يرى أن هذه ‘الفقاعة’ لا تسعى لإنتاج أدوات مفيدة ورخيصة، بل ترغب في أشياء ‘مدمرة’ باهظة الثمن، مثل النماذج التأسيسية الكبيرة التي تخسر مليارات الدولارات سنوياً. وعندما يتوقف هوس الاستثمار، من المتوقع أن ينهار معظم هذه النماذج، مما يؤدي إلى ‘انهيار قبيح’ يمكن أن يؤثر على الاقتصاد العالمي الذي يعتمد حالياً على عدد قليل من شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى.
القنطور مقابل القنطور العكسي: أدوات الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان
يقدم دكتوراو مفهوماً أساسياً في نظرية الأتمتة: ‘القنطور’ الذي يصف الإنسان المعزز بالتكنولوجيا لزيادة قدراته. وعلى النقيض، يقدم ‘القنطور العكسي’، وهو إنسان يعمل كملحق لآلة غير مهتمة، حيث تُستخدم التكنولوجيا لمراقبة الإنسان والتحكم فيه، كما في مثال سائق توصيل أمازون الذي تحيط به كاميرات الذكاء الاصطناعي. هذا التمييز يسلط الضوء على الفارق الجوهري بين استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم البشر وتحسين حياتهم، وبين استخدامه لاستبدالهم أو تقليل شأنهم، مع تحميلهم مسؤولية أخطاء الأنظمة الآلية.
لماذا تجذب فقاعة الذكاء الاصطناعي القادة؟
يتساءل دكتوراو عن الجاذبية الهائلة للذكاء الاصطناعي للقادة السياسيين ورجال الأعمال. ويعتقد أن هذا يرجع إلى ‘خيال’ مشترك يسعى فيه أصحاب النفوذ إلى عالم خالٍ من البشر، حيث لا يتعين عليهم التعامل مع تحديات ‘الآخرين’ أو مواجهة ‘غرورهم’ مع من يعرفون كيفية إنجاز الأمور. بالنسبة لهم، الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لتحقيق رؤاهم دون الحاجة إلى التفاعل البشري المزعج، مما يغذي الإنفاق الرأسمالي الهائل في هذا القطاع، على الرغم من عوائده المتواضعة مقارنة بالاستثمار.
الذكاء الاصطناعي: الخسارة الكبرى أم الاستثمار الحقيقي؟
يميز دكتوراو بين فقاعة الذكاء الاصطناعي والفقاعات التكنولوجية السابقة مثل فقاعة دوت كوم. فبينما أدت الفقاعات السابقة إلى تكنولوجيا أصبحت مربحة بمرور الوقت، يرى دكتوراو أن الذكاء الاصطناعي يمثل ‘الشيء الأكثر خسارة للمال الذي فعله جنسنا البشري على الإطلاق’. فكل عميل واستخدام للذكاء الاصطناعي يفقِد الشركات أموالاً أكثر، وكل جيل جديد من الذكاء الاصطناعي يخسر أكثر من سابقه. هذا بالإضافة إلى المقاومة الاجتماعية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل، على عكس التكنولوجيا الرقمية السابقة التي رحب بها العمال.
قوة العمل كدرع ضد الاستغلال
بدلاً من المطالبة بقوانين حقوق طبع ونشر جديدة، يقترح دكتوراو التركيز على قانون عمل جديد يعزز المساومة القطاعية. ويستشهد بنجاح كتاب السيناريو والممثلين في هوليوود في التفاوض بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي كنموذج. ويرى أن السماح للعمال في جميع القطاعات بالتفاوض الجماعي مع أصحاب العمل يمكن أن يكون حلاً فعالاً لمواجهة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الدفع الفردي الذي لا يصب في مصلحة العمال.
ما بعد الانفجار: البقايا المنتجة لفقاعة الذكاء الاصطناعي
على الرغم من نظرته المتشائمة للفقاعة، يرى دكتوراو بصيص أمل في ‘البقايا المنتجة’ التي قد تتركها فقاعة الذكاء الاصطناعي عندما تنفجر، على غرار فقاعة دوت كوم التي تركت وراءها بنية تحتية قوية وأجيالاً من المبرمجين المبدعين.
- أجهزة رخيصة: ستتاح وحدات معالجة الرسومات (GPUs) بأسعار زهيدة.
- خبراء متاحون: سيكون هناك العديد من الإحصائيين التطبيقيين المهرة والمبدعين الذين لديهم أفكار مثيرة للاهتمام لاستخدام الذكاء الاصطناعي.
- نماذج مفتوحة المصدر: ستظهر نماذج قوية مفتوحة المصدر، مما يفتح الباب للابتكار على أجهزة منخفضة الجودة.
هذا السيناريو يقدم فرصاً لبناء أشياء مفيدة حقاً باستخدام الذكاء الاصطناعي، بعيداً عن التكهنات والضجيج الحالي.
تمييز الوهم عن الواقع في الذكاء الاصطناعي
يتصدى دكتوراو للرواية الشائعة بأن ‘الذكاء الاصطناعي قادم لوظيفتك’، مشيراً إلى أن الأدلة تشير أكثر إلى أن المديرين، وليس الذكاء الاصطناعي نفسه، هم من يتخذون قرارات خاطئة باستبدال العمال بالذكاء الاصطناعي غير الكفؤ. ويسوق مثالاً صارخاً على ذلك: محلات أمازون ‘جو’ التي ادعت استخدام الذكاء الاصطناعي لإلغاء الصرافين، بينما كانت تعتمد في الواقع على مئات المراجعين البشريين في الهند لمراقبة العملاء عبر الكاميرات.
وجهات نظر دكتوراو حول الاستخدام المفيد للذكاء الاصطناعي
على الرغم من نقده الشديد، يؤكد دكتوراو أنه ليس معادياً للذكاء الاصطناعي في جوهره. بل إنه يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بانتظام ويرى إمكانات هائلة لها كأدوات مساعدة مفيدة. ويقدم أمثلة شخصية لاستخداماته الإيجابية للذكاء الاصطناعي، مثل:
- نسخ الصوت محلياً: استخدام أداة Whisper لنسخ تسجيلات صوتية طويلة والعثور على اقتباسات محددة بسرعة، دون الحاجة إلى موارد حوسبة ضخمة أو استهلاك مياه هائل.
- تدقيق الأخطاء اللغوية: استخدام برامج الدردشة الآلية لمراجعة منشوراته المدونة للعثور على الأخطاء المطبعية التي قد يفوتها المدقق الإملائي التقليدي.
- مساعدة المنظمات غير الحكومية: يسلط الضوء على عمل صديقه باتريك بول في مجموعة تحليل بيانات حقوق الإنسان (HRDAG)، حيث يستخدمون الذكاء الاصطناعي لمساعدة مشروع البراءة في نيو أورليانز على تحديد تقارير الاعتقال ذات الصلة بقضايا البراءة الناجحة، مما يساهم في إطلاق سراح الأبرياء.
هذه الأمثلة توضح رؤية دكتوراو للذكاء الاصطناعي كأداة قوية ومفيدة، شرط أن تُستخدم لتعزيز القدرات البشرية وتحقيق الصالح الاجتماعي، بدلاً من أن تصبح وسيلة للاستغلال أو تغذية فقاعات مالية.
في الختام، يقدم كوري دكتوراو دعوة للتفكير النقدي حول الذكاء الاصطناعي. فهو يدعونا إلى تجاوز الضجيج والتوقعات المبالغ فيها، والتركيز على الواقع المادي والاقتصادي والاجتماعي لهذه التكنولوجيا. فبينما يرى الجانب المظلم للفقاعة، يؤمن أيضاً بإمكانية ظهور مستقبل أكثر إشراقاً للذكاء الاصطناعي، مستقبل حيث تُستخدم التكنولوجيا لتمكين البشر، لا لاستعبادهم.