في الآونة الأخيرة، تصاعدت التحذيرات العالمية بشأن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي نحو مرحلة الذكاء الاصطناعي الفائق (ASI). تُثار مخاوف جدية من أن تتجاوز قدرات هذه الأنظمة مستوى السيطرة البشرية، مما قد يؤدي إلى سيناريوهات كارثية تهدد مستقبل البشرية جمعاء، كما أبرزه تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.
وفي سياق هذه المخاوف، شهد البرلمان البريطاني جلسة حاسمة حذر خلالها مسؤولون وخبراء من أن الذكاء الاصطناعي الفائق قد يمثل خطراً يماثل، بل وربما يتجاوز، التهديد الذي تشكله الأسلحة النووية. أكد ديس براون، وزير الدفاع البريطاني الأسبق، أن اعتقاده السابق بأن الحرب النووية هي التهديد الأكبر للبشرية قد تغير، ليُصبح مقتنعاً بأن الذكاء الاصطناعي الفائق يشكل تهديداً بنفس الحجم، وربما أكبر.
كما حذر البروفيسور ستيوارت راسل، عالم الحاسوب بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، من احتمالية وقوع كارثة تضاهي حجم كارثة تشيرنوبل النووية، بل وتجاوزها إلى سيناريو أكثر خطورة تفقد فيه البشرية السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل لا رجعة فيه.
جاءت هذه التحذيرات ضمن جلسة نظمتها مجموعة الضغط تحالف Control AI في لندن، والتي تدعو بقوة إلى وضع قواعد دولية صارمة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، وتدعم مشروع قانون بريطاني يهدف إلى حظر تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق.
تحذيرات من خطر انقراض البشرية
أثار إيفان هوبينغر، المسؤول عن أبحاث المواءمة في شركة أنثروبيك (Anthropic)، جدلاً واسع النطاق بتصريحه الذي يفيد بوجود احتمال يتجاوز 10% لأن تؤدي هذه التكنولوجيا إلى القضاء على البشرية جمعاء خلال العقد المقبل.
جاء هذا التصريح المثير عقب استقالة الباحث جاكوب كوكسون (28 عاماً) من أنثروبيك، الذي عمل سابقاً في أوبن إيه آي (OpenAI)، مؤكداً أن الشركتين لا تتصرفان بمسؤولية، وأنهما تقامران بحياة البشر.
أوضح كوكسون أن المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي معروفة جيداً داخل أنثروبيك، لكنه اتهم الشركات بالانخراط في سباق محموم للوصول إلى الذكاء الاصطناعي الفائق أولاً. ومع ذلك، أعرب عن تفاؤله بإمكانية تنسيق المختبرات الأمريكية الكبرى لجهودها بهدف إبطاء وتيرة هذا السباق الخطير.
تتباين التقديرات بشكل كبير حول الموعد المتوقع للوصول إلى الذكاء الاصطناعي الفائق، حيث يرى بعض الخبراء أنه قد يتحقق خلال سنوات قليلة، بينما يتوقع آخرون أن يستغرق الأمر أكثر من عقد من الزمن.
دعوات عالمية لتنظيم الذكاء الاصطناعي
في المملكة المتحدة، دعا النائب العمالي دارين جونز إلى إبرام معاهدة متعددة الأطراف للتطوير المنظم والآمن للذكاء الفائق. وأكد جونز أن الهدف ليس عرقلة الابتكار أو البحث العلمي، بل تبني نهج يضع السلامة والأمان في مقدمة الأولويات بالتزامن مع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي.
وأشار جونز إلى أن الجدل الدائر حالياً يتأرجح بين التحذير من نهاية البشرية واعتبار هذه المخاوف مجرد ضجة تسويقية، لكنه شدد على ضرورة أن تتدخل الحكومات الآن لمعالجة هذه التحديات.
على صعيد ذي صلة، أُثيرت مخاوف حكومية بريطانية بشأن عدم تقديم شركة أنثروبيك لنموذجها الأحدث Mythos 5.1 إلى المعهد البريطاني لأمن الذكاء الاصطناعي لإجراء اختبارات ما قبل الإطلاق. وأكد مكتب مجلس الوزراء أن الوصول إلى هذا النموذج كان متاحاً لعدد محدود من المؤسسات الأمريكية فقط، مشيراً إلى استمرار التعاون بين المعهد والشركات الرائدة في هذا القطاع، ومنها أنثروبيك.
في الولايات المتحدة، كثف السيناتور بيرني ساندرز حملته المطالبة بتنظيم الذكاء الاصطناعي، حاثاً الكونغرس على التحرك السريع. واستند ساندرز إلى نتائج استطلاعات الرأي التي تُظهر أن 81% من الأمريكيين يرون ضرورة قيام السياسيين باتخاذ إجراءات حاسمة بخصوص هذه التكنولوجيا.
وأكد ساندرز أن مستقبل البشرية، بما يشمله من اقتصاد وبيئة وديمقراطية وخصوصية، لا ينبغي أن يُترك لتحدده حفنة من الأفراد الجشعين دون مشاركة واسعة وفعالة من الجمهور.
خبراء يحذرون من المبالغة في المخاطر
على الرغم من خطورة التحذيرات، أبدى عدد من الخبراء موقفاً أكثر تحفظاً، محذرين من الانجرار وراء السيناريوهات الكارثية والمبالغ فيها.
أوضح الدكتور أندرو روجويفسكي، من معهد ساري للذكاء الاصطناعي، أن الأنظمة الحالية لا تزال بعيدة كل البعد عن امتلاك مرونة القدرات البشرية، ناهيك عن قدرة البشر على العمل الجماعي. وتوقع ما وصفه بـالخيبة الكبرى، حيث قد يتبين أن الذكاء الاصطناعي المتقدم مكلف للغاية أو غير مجدٍ بما يكفي للاستمرار في صورته الحالية.
من جانبه، حذر ديفيد باربر، مدير مختبر سوفير لأبحاث الذكاء الاصطناعي، من التعامل مع التكنولوجيا كتهديد يجب التخلص منه، مؤكداً أنها أصبحت ذات أهمية وفائدة بالغة. لكنه أشار إلى أن استخدامها بشكل غير مقيد للوصول إلى الإنترنت والأنظمة المختلفة قد يولد مشكلات تتطلب المزيد من السيطرة والرقابة.
بدورها، أعربت ساندرا فاختر، أستاذة في معهد أكسفورد للإنترنت، عن عدم إيمانها بالسيناريوهات الكارثية، لكنها شددت على وجود مخاطر حقيقية وملحة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل تأثيره البيئي، وانتشار المعلومات المضللة، وتأثيره المحتمل على سوق العمل.
وأكدت أن هذه القضايا حقيقية وملحة وتتطلب المعالجة الفورية، محذرة من أن سيناريوهات نهاية العالم قد تشتت الانتباه عن المشكلات الفعلية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن.
يرى المعلق والباحث في مجال الذكاء الاصطناعي غاري ماركوس أن هناك فارقاً جوهرياً بين ذكاء اصطناعي فائق متوافق مع مصالح البشر، إن أمكن تحقيق ذلك أصلاً، وذكاء اصطناعي فائق غير متوافق معها. وأشار إلى أن الاحتمال الأول قد يكون إيجابياً للبشرية، لكن الواقع الحالي، حسب رأيه، لا يقدم سوى وفرة من الضجيج الإعلامي في مقابل نقص واضح في الحذر والمسؤولية.
إن الجدل الدائر حول الذكاء الاصطناعي الفائق يعكس مرحلة حاسمة في تاريخ البشرية. فبينما تتصاعد التحذيرات من مخاطر وجودية والدعوات إلى تنظيم دولي صارم، يشدد خبراء آخرون على ضرورة عدم المبالغة والتركيز على التحديات الملموسة. يبقى الأمر المؤكد هو الحاجة الملحة لتبني نهج متوازن ومسؤول يضمن تطوير هذه التكنولوجيا بما يخدم البشرية ويحمي مستقبلها، بدلاً من أن يصبح تهديداً عليها.