في مشهد رأس المال الجريء الأفريقي الذي يتسم بالتقلبات، برزت شركة أوي كابيتال (Oui Capital) كنموذج للنجاح، بعد أن أعلنت في يناير 2025 عن إعادة كامل صندوقها الافتتاحي البالغ 4 ملايين دولار. هذا الإنجاز، المدفوع جزئيًا باستثمار استراتيجي في Moniepoint حقق عائدًا مذهلاً بلغ 53 ضعفًا، يضع أوي كابيتال ضمن النخبة القليلة من مديري الصناديق الأفريقية الذين حققوا عوائد للمستثمرين. ومع ذلك، يرى أولي أوينسان، الشريك العام في أوي كابيتال، أن هذا النجاح لا يحجب حقيقة أن القطاع يواجه ما يسميه أزمة وجودية تتطلب إعادة تقييم جذرية.
نجاح الصندوق الأول: ما وراء Moniepoint
يعود الفضل الأكبر في نجاح الصندوق الأول إلى استثمار بقيمة 150 ألف دولار في Moniepoint عام 2019. وبعد خمس سنوات، ومع تجاوز Moniepoint تقييم المليار دولار، بلغت حصة أوي كابيتال حوالي 8 ملايين دولار، مما يمثل قصة نجاح ملهمة. ومع ذلك، يشدد أوينسان على أن Moniepoint لم تكن القصة الوحيدة، بل إن الصندوق كان سيحقق عائدًا ضعف حجمه حتى بدونها، ليصل إلى 4 أضعاف مع احتسابها. هذا التمييز مهم لكونه يظهر أن النجاح لا يعتمد على مخرج كبير واحد يمكن أن يخفي أداء محفظة متوسطًا.
شملت نجاحات الصندوق الأول أيضًا مخرجًا من شركة الرعاية الصحية الأمريكية AMOpportunities، إضافة إلى استثمارات أولية ناجحة في شركات مثل Duplo وBento وMarketForce في كينيا وAkiba Digital في جنوب أفريقيا. هذه الشركات، التي لا تزال في محفظة أوي كابيتال، تواصل تقديم أداء جيد.
تطور الاستراتيجية: من الصندوق الأول إلى الثاني
تأسست أوي كابيتال عام 2018 على يد أوينسان وفرانشيسكو أندريولي، وهي تركز على دعم شركات التكنولوجيا في مراحل التمويل الأولي والبذور في أفريقيا، ضمن قطاعات التجارة الرقمية، برامج المؤسسات، التكنولوجيا المالية، ورأس المال البشري. وقد اعتمد المؤسسون على دراسة معمقة للسوق قبل صياغة أطروحتهم الاستثمارية.
يمثل الصندوق الثاني، الذي بدأ نشره في عام 2022، تصحيحًا مقصودًا لأوجه القصور في الصندوق الأول. فقد تغيرت استراتيجية الاستثمار لتشمل شيكات أكبر تصل إلى 750 ألف دولار (بمتوسط يتراوح بين 400 ألف و500 ألف دولار)، مع إمكانية الوصول إلى مليون دولار عبر جولتين. كما ارتفعت أهداف الملكية من 2-3% إلى 5-10%.
بالإضافة إلى ذلك، تم تقليص حجم المحفظة بشكل كبير. فبينما ضم الصندوق الأول حوالي 20 شركة، من المتوقع أن يختتم الصندوق الثاني بحوالي 10 أو 11 شركة. هذا القرار جاء بناءً على مراجعة داخلية كشفت أن معظم الشركات التي تم شطبها مبكرًا كانت هي أصغر الاستثمارات، تلك التي تمت بقناعة أقل.
القناعة كركيزة للاستثمار
يوضح أوينسان أنهم الآن يرفضون شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) التي يمكن للذكاء الاصطناعي بناؤها. ويشدد على أن الاستثمار هو لعبة تعتمد على القناعة، وأن الوقت، وليس المال، هو المورد الأكثر ندرة لمدير الصندوق. فالشركات المتعثرة تستهلك وقتًا وموارد أكبر دون تحقيق عوائد مجدية. ولذلك، قررت أوي كابيتال التوقف عن الاستثمار في الصفقات ذات القناعة المنخفضة، والتركيز على دعم الشركات الواعدة بقوة.
دروس من الفرص الضائعة
تطرق أوينسان إلى بعض الفرص التي يأسف لضياعها، منها:
- Gokada: شركة رائدة في مجال النقل، في بداياتها.
- Basepaws: شركة أمريكية متخصصة في اختبارات الحمض النووي للحيوانات الأليفة.
- Yellow Card: منصة للعملات المشفرة، التي ثبط شريكه عن الاستثمار فيها لاعتقاده أنها مبالغ في تقديرها آنذاك.
تأثير إعادة الصندوق الأول على العلاقة مع المستثمرين
بينما يعترف أوينسان بأن عودة الصندوق الأول قد غيرت نوعية الحوار مع الشركاء المحدودين (LPs)، إلا أنه يشير إلى أن العلاقة بين أداء الصندوق ونمو الأصول المدارة (AUM) ليست دائمًا مباشرة. فمديرو الصناديق المربحة قد يفضلون جمع أموال أقل للحفاظ على حصص أكبر في الأرباح. لكن وجود بيانات أداء قوية، مثل معدل العائد الداخلي (IRR) والتوزيع إلى رأس المال المدفوع (DPI)، يضع المدير في موقف تفاوضي أقوى.
بالتأكيد، أعطى إثبات جودة منتج أوي كابيتال الشركة نفوذًا أكبر، وقلل الضغط لجمع صناديق أكبر، مما يتيح مزيدًا من المرونة والتركيز على إدارة الاستثمارات بدلاً من جمع التبرعات.
آفاق الصندوق الثالث وتوقعات المستقبل
بينما لا يزال الصندوق الثاني في مرحلة الاستثمار، يؤكد أوينسان وجود خطط لصندوق ثالث وما يليه. الهدف الأساسي هو تكرار نجاح الصندوق الأول في الصندوق الثاني. ورغم أن الصندوق الثالث سيظل يركز على أفريقيا بشكل أساسي، فقد يتضمن بعض الاستثمارات العالمية.
تحولات في فهم سوق التكنولوجيا الأفريقي
كشف أوينسان عن أربع افتراضات رئيسية تغيرت لديه حول التكنولوجيا الأفريقية منذ بدء الاستثمار:
- حجم الصناديق: أفريقيا ليست مكانًا للصناديق الكبيرة، خاصة في مرحلة البذور. يرى أوينسان أن صندوق البذور في أفريقيا يجب ألا يتجاوز 50 مليون دولار، أو بحد أقصى 100 مليون دولار لتحقيق عوائد جيدة.
- تدفق الصفقات: لا يسمح تدفق الصفقات في أفريقيا بعدد كبير من شركات المحفظة. تتطلب بيئة الأعمال الصعبة دعمًا مكثفًا من المستثمر، مما يجعل المحفظة الأصغر أكثر ربحية.
- التنمية البنيوية: لا يمكن للابتكار وحده أن يحل مشكلة التخلف. التنمية البنيوية تخلق فرصًا أكبر للشركات الناشئة، ويجب على المستثمرين ورواد الأعمال دعم الجهود الحكومية في هذا الصدد.
- حجم الأسواق: الأسواق الأفريقية ليست بالضخامة التي تبدو عليها ظاهريًا. على سبيل المثال، سوق نيجيريا ليس 200 مليون شخص عند استبعاد الأميين، غير المشمولين ماليًا، أو من ليس لديهم وصول للإنترنت أو قوة شرائية.
أزمة رأس المال الجريء الأفريقي: دعوة للربحية
يرى أوينسان أن قطاع رأس المال الجريء الأفريقي يواجه أزمة وجودية. ويشدد على ضرورة جعل رأس المال الجريء مربحًا للمستثمرين لضمان استمراريته. يحذر من تحول هذا القطاع إلى ما يشبه العمل الخيري الجريء أو أعمال المنظمات غير الحكومية، مما يقوض الغرض الأساسي منه.
يدعو أوينسان النظام البيئي بأكمله إلى توحيد جهوده لدعم رواد الأعمال وخلق عوائد ممتازة للمستثمرين. هذا، بدوره، سيعمق المشاركة المحلية، حيث أن الأفارقة موجهون نحو العوائد وسيكونون أكثر استعدادًا للاستثمار في الشركات الناشئة والصناديق التي تثبت قدرتها على تحقيق الربحية.
تقدم رؤى أولي أوينسان لمحة صادقة عن واقع رأس المال الجريء في أفريقيا، وتؤكد على ضرورة التحول نحو نموذج أكثر ربحية واستدامة لضمان مستقبل هذه الصناعة الحيوية للقارة.